محمد علي باشا: مؤسس مصر الحديثة وصانع نهضتها
مقدمة
يُعد محمد علي باشا من أبرز الشخصيات التاريخية التي غيرت مسار مصر والمنطقة العربية في العصر الحديث. لم يكن مجرد حاكم عادي، بل رجل دولة طموح امتلك رؤية واضحة لبناء دولة قوية تعتمد على الجيش المنظم، والاقتصاد المتين، والتعليم الحديث. استطاع محمد علي باشا أن ينقل مصر من حالة الضعف والتخلف إلى مرحلة جديدة من التقدم، مما جعله يستحق لقب مؤسس مصر الحديثة. في هذا المقال نستعرض حياته، وكيف وصل إلى الحكم، وأهم إنجازاته التي تركت أثرًا عميقًا في تاريخ مصر.
أولًا: نشأة محمد علي باشا وبداياته السياسية
وُلد محمد علي باشا عام 1769م في مدينة قولة الواقعة في مقدونيا، وكان ينتمي إلى أسرة ألبانية بسيطة. فقد والده في سن مبكرة، مما جعله يعتمد على نفسه منذ الصغر، واكتسب خبرات متعددة في التجارة والعمل العسكري.
جاء محمد علي إلى مصر ضمن القوات العثمانية التي أُرسلت لمقاومة الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت. وبعد خروج الفرنسيين من مصر، دخلت البلاد في حالة من الفوضى والصراع بين المماليك والعثمانيين، وهو ما استغله محمد علي بذكاء سياسي كبير.
استطاع كسب ثقة العلماء وزعماء الشعب، وعلى رأسهم عمر مكرم، وبدعمهم تم تعيينه واليًا على مصر عام 1805م. ومنذ اللحظة الأولى، بدأ يفكر في تثبيت حكمه وبناء دولة قوية مستقلة فعليًا عن النفوذ العثماني.
ثانيًا: تثبيت الحكم والقضاء على المماليك
كان المماليك يمثلون أكبر تهديد لحكم محمد علي، لذلك قرر التخلص منهم نهائيًا. وفي عام 1811م، نفّذ خطته الشهيرة المعروفة بـ مذبحة القلعة، حيث دعا قادة المماليك إلى احتفال رسمي، ثم تم القضاء عليهم دفعة واحدة.
بعد ذلك، عمل محمد علي على فرض سيطرته الكاملة على مصر، وأنهى حالة الفوضى الأمنية، وأعاد تنظيم الإدارة، وبدأ في بناء جيش قوي يكون العمود الفقري لدولته.
رغم قسوة بعض قراراته، إلا أن هدفه الأساسي كان إنشاء حكم مركزي قوي يمنع عودة الفوضى، ويضمن الاستقرار الداخلي.

ثالثًا: بناء الجيش الحديث
أدرك محمد علي باشا أن قوة الدولة تبدأ من قوة جيشها، فبدأ في إنشاء جيش مصري حديث على النمط الأوروبي. فرض التجنيد الإجباري، وأنشأ المدارس العسكرية، واستعان بالخبراء الأجانب لتدريب الجنود.
لم يكن الجيش مجرد أداة للحماية، بل وسيلة لتحقيق طموحات محمد علي التوسعية. وبفضل هذا الجيش، تمكن من:
السيطرة على شبه الجزيرة العربية
القضاء على الحركة الوهابية
التوسع في السودان
السيطرة على بلاد الشام لفترة من الزمن
أصبح الجيش المصري في عهده من أقوى الجيوش في المنطقة، وفرض احترامه على القوى الكبرى.
رابعًا: الإصلاحات الاقتصادية والزراعية
اهتم محمد علي بالاقتصاد باعتباره أساس قوة الدولة، فقام بإصلاحات واسعة في الزراعة، حيث:
نظم ملكية الأراضي
أدخل نظام الاحتكار
اهتم بزراعة القطن الذي أصبح محصولًا استراتيجيًا
كما أنشأ العديد من المصانع، خاصة مصانع الغزل والنسيج، والأسلحة، والسفن، مما ساهم في تقليل الاعتماد على الخارج، وزيادة دخل الدولة.
ورغم أن نظام الاحتكار كان قاسيًا على الفلاحين، إلا أنه ساعد على بناء اقتصاد قوي مكّن محمد علي من تمويل مشروعاته العسكرية والتعليمية.
خامسًا: النهضة التعليمية والعلمية
كان التعليم من أهم ركائز مشروع محمد علي، فأنشأ المدارس الحديثة في:
الطب
الهندسة
الزراعة
اللغات
كما أرسل البعثات العلمية إلى أوروبا، وخاصة إلى فرنسا، لتعلّم العلوم الحديثة ونقلها إلى مصر. وكان من أبرز نتائج هذه البعثات ظهور جيل جديد من المتعلمين الذين ساهموا في نهضة البلاد.
ومن أشهر رموز هذه المرحلة رفاعة الطهطاوي، الذي لعب دورًا كبيرًا في نقل الفكر الأوروبي وترجمته بما يتناسب مع المجتمع المصري.
سادسًا: سياسة محمد علي الخارجية وسقوط مشروعه
أثارت قوة محمد علي قلق الدول الأوروبية والدولة العثمانية، خاصة بعد توسعه في الشام واقترابه من إسطنبول. تدخلت القوى الكبرى، وأجبرته على توقيع معاهدة لندن عام 1840م، التي حدّت من طموحاته العسكرية، وأجبرته على تقليص جيشه.
ورغم هذا التراجع، احتفظ محمد علي بحكم مصر وراثيًا في أسرته، وهو ما استمر حتى قيام ثورة 1952.
خاتمة
يُعتبر محمد علي باشا حجر الأساس في بناء مصر الحديثة، فقد وضع اللبنات الأولى لدولة قوية تعتمد على الجيش، والاقتصاد، والتعليم. ورغم الجدل حول بعض سياساته القاسية، إلا أن إنجازاته لا يمكن إنكارها، فقد نقل مصر من العصور القديمة إلى بداية العصر الحديث. لذلك، يبقى محمد علي باشا شخصية محورية في تاريخ مصر، ورمزًا للطموح والإصلاح وبناء الدولة.