حسن بن الصباح قائد الحشاشين.
حسن الصباح: الرجل الذي أسّس دولة من فوق الجبال
يُعدّ حسن الصباح من أكثر الشخصيات التاريخية إثارة للجدل في تاريخ العالم الإسلامي، إذ ارتبط اسمه بالدعوة الإسماعيلية النزارية وبقلعة ألموت الشهيرة، وبفكرة التنظيم السري والاغتيالات السياسية التي حيّرت خصومه وأرعبت أعداءه. لم يكن حسن الصباح خليفة ولا ملكًا، بل كان مفكرًا عقائديًا وزعيمًا ثوريًا استطاع أن يؤسس كيانًا سياسيًا وعقائديًا قويًا في قلب العالم الإسلامي السني خلال القرن الخامس الهجري.
نسبه ونشأته
وُلد حسن بن علي بن محمد الصباح حوالي عام 430هـ / 1037م، ويُرجّح أنه وُلد في مدينة قم أو الري في بلاد فارس (إيران حاليًا). نشأ في بيئة علمية، وتلقى تعليمًا جيدًا في الفقه واللغة والفلسفة والعلوم الدينية، وكان في بداياته على المذهب السني، ثم بدأ لاحقًا يميل إلى الفكر الشيعي، وبالأخص المذهب الإسماعيلي.
تحوّله إلى المذهب الإسماعيلي
تأثر حسن الصباح بالدعاة الإسماعيليين الذين كانوا ينشطون سرًا في بلاد فارس، فاعتنق المذهب الإسماعيلي بعد فترة طويلة من البحث والجدل الفكري. ولم يكتفِ بذلك، بل سافر إلى مصر الفاطمية، مركز الدعوة الإسماعيلية آنذاك، حيث أقام في القاهرة عدة سنوات وتعمّق في علوم الدعوة والعقيدة والتنظيم السري.
لكن الخلاف السياسي داخل الدولة الفاطمية، خصوصًا بعد الصراع بين نزار والمستعلي أبناء الخليفة المستنصر بالله، دفع حسن الصباح إلى الانحياز إلى نزار، وهو ما شكّل الأساس لقيام الإسماعيلية النزارية.
العودة إلى فارس وبداية المشروع الثوري
عاد حسن الصباح إلى فارس وهو يحمل مشروعًا واضحًا:
نشر الدعوة النزارية وتأسيس كيان مستقل عن الخلافة العباسية والدولة السلجوقية السنية.
بدأ نشاطه بالدعوة السرية، واستقطاب الأتباع، وبناء تنظيم شديد الانضباط، يعتمد على الطاعة المطلقة والسرية التامة، وهو ما مكّنه لاحقًا من تحقيق نجاحات مذهلة رغم قلة العدد.
قلعة ألموت: عاصمة الدولة السرية
في عام 483هـ / 1090م، استطاع حسن الصباح السيطرة على قلعة ألموت الواقعة في جبال الديلم شمال فارس، دون قتال يُذكر، مستخدمًا الذكاء والتخطيط بدل القوة العسكرية.

أصبحت قلعة ألموت:
- مركزًا للدعوة النزارية
- عاصمة فعلية لدولة إسماعيلية مستقلة
- رمزًا للقوة والغموض والرهبة
ومن هناك، بدأ حسن الصباح في إدارة شبكة من القلاع والحصون المنتشرة في فارس والشام.
نظام الاغتيالات السياسية
اشتهر أتباع حسن الصباح، الذين عُرفوا في المصادر الغربية باسم Assassins (الحشّاشين)، باستخدام الاغتيال السياسي المنظّم كوسيلة لمواجهة خصومهم الأقوياء، خصوصًا:
- السلاجقة
- قادة الجيوش
- بعض العلماء المعادين لهم
وكان الاغتيال يتم غالبًا:
في وضح النهار أمام الناس باستخدام الخناجر وذلك لبث الرعب وإيصال رسالة سياسية واضحة.
حقيقة لقب “الحشّاشين”
اختلف المؤرخون حول سبب التسمية:
قيل إنهم كانوا يتعاطون الحشيش (وهو رأي مشكوك فيه)
وقيل إن التسمية كانت تشويهًا متعمدًا من الخصوم
والأرجح أنها كلمة تحريفية أُطلقت للازدراء لا أكثر
ولا توجد أدلة تاريخية قوية تثبت تعاطيهم المخدرات كما يُشاع.
شخصيته وأسلوب حكمه
عُرف حسن الصباح بـ:
- الزهد الشديد
- الانضباط الصارم
- العدالة القاسية أحيانًا
ويُروى أنه:
حكم على ابنه بالموت لمخالفته القوانين
عاش حياة بسيطة داخل قلعة ألموت
لم يغادر القلعة لسنوات طويلة
وكان يرى نفسه داعية لا حاكمًا دنيويًا.
وفاته ونهاية مرحلته
توفي حسن الصباح عام 518هـ / 1124م بعد أن وضع أسس دولة قوية استمرت لأكثر من قرن بعد وفاته. ورغم سقوط دولة الحشاشين لاحقًا على يد المغول، فإن أثره بقي حاضرًا في:
- التاريخ السياسي
- الفكر التنظيمي
- الأدب والروايات العالمية
الخاتمة
لم يكن حسن الصباح خليفة ولا سلطانًا، لكنه كان عقلًا استثنائيًا استطاع أن يصنع دولة بفكر وعقيدة وتنظيم، لا بعدد وجيوش. وبينما يراه البعض إرهابيًا دمويًا، يراه آخرون قائدًا ثوريًا واجه الظلم السياسي بأساليب غير تقليدية. ويبقى حسن الصباح شخصية مركّبة، لا يمكن فهمها إلا في سياق عصرها المليء بالصراعات المذهبية والسياسية.