كتاب الموتى المصري القديم
كتاب الموتى عند المصريين القدماء 📜⚱️
يُعَدّ كتاب الموتى من أهم وأشهر النصوص الدينية في الحضارة المصرية القديمة، وهو ليس كتابًا بالمعنى المتعارف عليه اليوم، بل مجموعة من التعاويذ والنصوص الجنائزية التي كُتبت لمساعدة المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر وضمان نجاته وحياته الأبدية.
أولًا: ما هو كتاب الموتى؟
الاسم الأصلي للكتاب باللغة المصرية القديمة هو "رو نو بيريت إم هيرو"، وهو ما يترجم إلى "فصول الخروج إلى النهار". تسمية "كتاب الموتى" أطلقها عالم الآثار الألماني "كارل ريتشارد لبسيوس" في عام 1842، لأن هذه البرديات كانت توجد دائماً بجوار المومياوات في المقابر.
ثانيًا: تاريخ ظهور كتاب الموتى
لم يظهر كتاب الموتى فجأة، بل مرّ بعدة مراحل:
يعود تاريخ هذه النصوص إلى بدايات الدولة الحديثة (حوالي 1550 ق.م)، لكن جذورها تمتد إلى عصور أقدم بكثير:
* نصوص الأهرام: التي نُقشت على جدران الغرف الداخلية للأهرامات في الدولة القديمة، وكانت مخصصة للملوك فقط.
* نصوص التوابيت: التي ظهرت في الدولة الوسطى ونُقشت على التوابيت الخشبية، وبدأت تصبح متاحة للنبلاء والأثرياء.
* كتاب الموتى: أصبح متاحاً لعامة الشعب (ممن يملكون الثمن) خلال الدولة الحديثة، حيث كان يُكتب على لفائف البردي ويُوضع داخل الكفن أو التابوت.
كُتب على برديات، وسمح لعامة الناس باقتنائه حسب القدرة المادية.
⏳ ازدهر استخدامه خاصة في الدولة الحديثة (حوالي 1550–1070 ق.م).
ثالثًا: محتوى كتاب الموتى
يتكون كتاب الموتى من نحو 190 تعويذة (تختلف من نسخة لأخرى)، ومن أشهرها:
🔹 تعاويذ الحماية
للحماية من الثعابين والشياطين في العالم الآخر.
لمنع تدمير الجسد أو سرقة القلب.
🔹 تعاويذ البعث والحياة الأبدية
لضمان عودة الروح إلى الجسد.
للمساعدة على دخول «حقول الإيارو» (الجنة المصرية).
أهمية التعاويذ
كان المصري القديم يعتقد أن العالم السفلي مليء بالكيانات المرعبة، والبوابات التي يحرسها وحوش بأسماء غريبة، والبحيرات النارية. التعاويذ كانت تمنح المتوفى:
* المعرفة: معرفة أسماء الحراس (فمن يعرف اسم الحارس يمتلك القوة عليه).
* التحول: القدرة على التحول إلى طائر أو حيوان أو إله للهروب من الأخطار.
* الحماية: منع جسده من التحلل، وحماية قلبه من أن يشهد ضده.
🔹 الفصل 125 (الأشهر)
⚖️ محاكمة المتوفى أمام محكمة أوزيريس
رحلة الروح: من القبر إلى المحاكمة
تبدأ الرحلة بمجرد الوفاة. تنفصل الروح (التي تنقسم إلى "كا" و"با") عن الجسد، وتبدأ مسيرة عبر بوابات "الدوات". خلال هذه الرحلة، يواجه المتوفى عقبات تتطلب منه قراءة تعاويذ محددة من كتابه.
محكمة أوزيريس (الوزن الكوني)
تعتبر هذه هي اللحظة الحاسمة في العقيدة المصرية، وتصورها التعويذة رقم 125. يُقاد المتوفى بواسطة الإله "أنوبيس" إلى قاعة "الحقيقتين" (ماعت)، حيث يقف أمام 42 قاضياً يمثلون أقاليم مصر.
* الاعتراف الإنكاري: يقوم المتوفى بتلاوة قائمة من الأفعال التي لم يرتكبها، مثل: "لم أقتل، لم أسرق، لم ألوث ماء النيل، لم أظلم يتيماً".
* وزن القلب: يوضع قلب المتوفى (مركز الذاكرة والضمير) في كفة ميزان، وفي الكفة الأخرى توضع "ريشة ماعت" (رمز العدالة والحق).
* النتائج:
* إذا تساوت الكفتان: يُعلن المتوفى "ماع خرو" (صادق الصوت) ويُسمح له بدخول الجنة.
* إذا رجحت كفة القلب بالذنوب: يلقى القلب إلى الوحش "عمعم" (آكل الموتى - مزيج من التمساح والأسد وفرس النهر) ليلتهمه، مما يعني الفناء الأبدي.

رابعًا: شكل كتاب الموتى
كُتب على برديات طويلة.
استُخدمت الهيروغليفية وأحيانًا الهيراطيقية.
زُيِّن برسوم ملونة تُظهر:
المتوفى
الآلهة (أوزيريس، أنوبيس، تحوت)
مشاهد الحساب والعالم الآخر
🎨 وكان يُفصَّل أحيانًا خصيصًا للميت، ويُكتب اسمه داخل النص.
خامسًا: لمن كان كتاب الموتى؟
لم يكن كتابًا موحدًا للجميع.
الأغنياء يحصلون على نسخ طويلة مزخرفة.
الفقراء يكتفون بتعاويذ مختصرة أو نقوش على التوابيت. 💰 أي أن الحياة الأبدية كانت مرتبطة بالقدرة المادية جزئيًا.

سادسًا: أهم النسخ المكتشفة
📌 بردية آني (المحفوظة بالمتحف البريطاني)
أشهر وأكمل نسخ كتاب الموتى.
تعود لكاتب ملكي في عصر الرعامسة.
غنية بالرسوم والنصوص الكاملة.
سابعًا: أهمية كتاب الموتى
✔ يكشف عن:
تصور المصريين للحياة بعد الموت
مفهوم الحساب والعدالة الإلهية
الأخلاق والسلوك المثالي
✔ يُعد مرجعًا أساسيًا لفهم الديانة المصرية القديمة
الفن الجنائزي في البرديات
لم يكن كتاب الموتى نصاً جافاً، بل كان تحفة فنية. اشتهرت برديات مثل "بردية آني" (الموجودة في المتحف البريطاني) بدقة رسومها وألوانها الزاهية. استخدم الفنانون المصريون ألواناً مستخلصة من معادن طبيعية، وظلت هذه الألوان نابضة بالحياة لآلاف السنين بفضل جفاف المناخ في المقابر.
التأثير الثقافي والفلسفي
كتاب الموتى يخبرنا الكثير عن الأخلاق في مصر القديمة. لم يكن الخلود حقاً مكتسباً، بل كان مكافأة على حياة عاشها الفرد في تناغم مع "ماعت" (النظام والعدل). هذا المفهوم وضع حجر الأساس لفكرة الحساب في الأديان السماوية اللاحقة.
كما يعكس الكتاب رغبة الإنسان الأزلية في التغلب على الفناء. بالنسبة للمصري القديم، الموت لم يكن النهاية، بل كان مجرد عبور أو "خروج إلى النهار" في عالم لا يعرف المرض أو التعب.
الخاتمة
يظل كتاب الموتى واحداً من أهم الوثائق الفكرية في التاريخ. إنه يجمع بين السحر، والدين، والفن، والأخلاق في بوتقة واحدة، ليصهر خوف الإنسان من المجهول في قالب من الأمل واليقين بالعدالة الإلهية.
> "أنا بالأمس، وأنا أعرف الغد... لقد وُلدتُ ثانيةً، وتجددتُ، وصرتُ شاباً مرة أخرى."
> — مقتبس من نصوص الخروج إلى النهار