قائمة سقاره الأثرية.
اكتشاف القائمة وموطنها الأصلي
تم اكتشاف هذه اللوحة الأثرية في عام 1861م في منطقة سقارة، وتحديداً داخل مقبرة الكاهن "تونري"، الذي كان يشرف على الأعمال الإنشائية في عهد الملك رمسيس الثاني (الأسرة التاسعة عشرة).
كان "تونري" قد وضع هذه القائمة في مقبرته تعبيراً عن ولائه للمؤسسة الملكية وتبركاً بأسماء الأسلاف العظام. وتنتصب القائمة اليوم كواحدة من أثمن مقتنيات المتحف المصري بالتحرير في القاهرة.
التصميم والمحتوى الفني
نُقشت القائمة على لوح حجري بأسلوب فني رفيع، وتتميز بالآتي:
الهيكل: تتألف من صفين يضم كل منهما 29 خرطوشاً ملكياً، بمجموع 58 ملكاً.
المشهد الجنائزي: يظهر الكاهن "تونري" في الجانب الأيسر من اللوحة وهو يرفع يديه بالدعاء والتبجيل أمام خراطيش الملوك، مما يعكس البعد الديني والقدسية التي كان يتمتع بها الملك في مصر القديمة.
التسلسل: تبدأ القائمة تاريخياً من عهد الملك عج إب (سادس ملوك الأسرة الأولى) وتنتهي بالملك رمسيس الثاني.

القيمة التاريخية والأثرية
تمثل قائمة سقارة "ذاكرة وطنية" لمصر القديمة، وتتجلى أهميتها في عدة نقاط:
1. توثيق التسلسل الزمني
تعتبر القائمة مرجعاً دقيقاً لترتيب ملوك الدولتين القديمة والوسطى. وبفضلها، تمكن العلماء من التأكد من أسماء ملوك غامضين لم تذكرهم بعض المصادر الأخرى، مما ساعد في سد ثغرات كبيرة في التاريخ المصري.
2. الانتقائية السياسية
تعكس القائمة وجهة نظر الدولة في عهد الرامسيسة؛ حيث تم استبعاد الملوك الذين اعتبرهم المصريون حينها "غير شرعيين" أو "مغتصبين"، مثل ملوك الهكسوس أو بعض ملوك فترة العمارنة. هذا يجعل القائمة وثيقة سياسية بقدر ما هي وثيقة تاريخية.
3. الدقة اللغوية
كُتبت الأسماء بالخط الهيروغليفي الكلاسيكي، وتظهر الخراطيش (الإطارات البيضاوية التي تحيط بأسماء الملوك) واضحة المعالم، مما يسهل قراءتها رغم مرور الزمن.
المحتوى الزمني: من البدايات إلى الرامسيسة
تبدأ القائمة زمنياً من أقدم العصور المصرية وتتسلسل صعوداً:
نقطة البداية: تبدأ من الملك "عج إب" (أو "أنيب") وهو سادس ملوك الأسرة الأولى، وهو أمر مثير للاهتمام لأنها تتجاهل الملوك الخمسة الأوائل (مثل مينا ونعرمر)، ربما لأسباب تتعلق بالتقاليد المحلية في منطقة سقارة آنذاك.
الدولة القديمة والوسطى: تغطي القائمة ملوك بناء الأهرامات والأسرات القوية في الدولة الوسطى بدقة لافتة.
نقطة النهاية: تنتهي القائمة بالملك "رمسيس الثاني"، صاحب العهد الذي نُقشت فيه اللوحة، مما يجعلها وثيقة تؤرخ لنهاية النصف الأول من عهد الرامسيسة.
الانتقائية السياسية (ما لم تذكره القائمة)
من أهم سمات قائمة سقارة أنها "قائمة انتقائية" وليست "إحصاءً شاملاً". فقد تعمد الكاتب حذف فترات معينة اعتبرتها الدولة في ذلك الوقت فترات "فوضى" أو "غير شرعية":
الفترة الانتقالية الثانية: تم حذف ملوك "الهكسوس" بالكامل باعتبارهم غزاة أجانب.
فترة العمارنة: تم تجاهل الملك "أخناتون" وخلفائه (مثل توت عنخ آمون) بسبب الثورة الدينية التي قادها أخناتون ضد الإله آمون، حيث اعتبرهم ملوك الرامسيسة ملوكاً "مارقين".
الأهمية العلمية في علم المصريات
تعتبر قائمة سقارة اليوم أحد الأعمدة الثلاثة التي يقوم عليها فهمنا للكرونولوجيا (التسلسل الزمني) المصري القديم، بجانب "بردية تورين" و"قائمة أبيدوس". وتكمن أهميتها القصوى في:
تأكيد أسماء الملوك: ساعدت في مطابقة أسماء التتويج (Prenomen) مع الأسماء الشخصية للملوك الموجودة في مصادر أخرى.
تصحيح الأخطاء: نظراً لأنها نُقشت بعناية فائقة في مقبرة مسؤول كبير، فهي تعتبر أكثر دقة من بعض القوائم التي كتبت على البردي وتعرضت للتآكل.
التاريخ المحلي: تعطينا لمحة عن كيفية تقدير أهل "منف" (سقارة) لملوكهم وتفضيلهم لبعض الأسماء على غيرها.
الحالة الحالية والعرض
على الرغم من ضياع جزء من الصف السفلي للوحة بسبب عوامل التعرية قبل اكتشافها، إلا أن الجزء المتبقي (والذي يضم نحو 47 خرطوشاً لا يزال واضحاً) يُعد من أروع القطع المعروضة في المتحف المصري بالتحرير. تظل هذه اللوحة تجذب آلاف السياح والباحثين الذين يأتون لقراءة أسماء ملوك بنوا حضارة دامت لأكثر من 3000 عام.
حالة القائمة اليوم
رغم مرور آلاف السنين وتعرض الجزء السفلي من اللوحة لبعض التلف الذي أدى لضياع عدد من الأسماء، إلا أن الجزء المتبقي يظل من أكمل وأوضح السجلات الملكية. وهي تخضع باستمرار للدراسة والتحليل باستخدام التقنيات الحديثة لمحاولة استرجاع ما تضرر من نقوشها.