رواية بلاد الظلام
بلاد الظلام…الشمس توقفت عن الدوران
رواية بلاد الظلام (بلاد بدون شمس )
في عام ٢١٠٠ ميلادية وقع ما كان يخشاه علماء الفلك، لكن ليس بالطريقة التي تخيلوها. لم يضرب الأرض نيزك، ولم تبتلعها ثقب أسود، بل حدث "الخلل المداري العظيم". توقفت الأرض عن الدوران حول محورها تماماً، وأصبحت "مقيدة مدرياً" بالشمس.
منذ تلك اللحظة، انقسم العالم إلى جحيمين:
وجه النهار الأبدي: حيث الشمس لا تغيب، المحتبسة في كبد السماء، تحرق المحيطات وتحول القارات إلى رماد مشتعل.
وجه الليل الأبدي: حيث هربت بقايا البشرية. عالمٌ من الجليد الأسود، وسماء مرصعة بنجوم ثابتة لا تتحرك، وبردٍ يفتك بالعظام في ثوانٍ.
اليوم نحن في سنة ٣٠٥٠ ميلادية
في مدينة “سديم”
في قلب هذا الليل، وفي أكثر بقاع الأرض تجمداً، تقع "سديم". لم تعد المدن تُبنى فوق الأرض، بل نُحتت داخل الجبال والجليد للاحتماء من الرياح القطبية التي تقتلع الصخر. هي مدينة طبقية
"السطح المتجمد": مقبرة العالم، حيث لا يعيش إلا "المسخ" وحراس الملك المجهزون ببدلات حرارية.
"الطبقة العليا": حيث يعيش الملك غيهب وحاشيته يتمتعون بالضوء الصناعي والدفء المستمد من المفاعلات، ويراقبون العالم عبر "شاشات التردد".
"القاع (العمق)": حيث يعيش الملايين في ظلام دامس، معتمدين على حواسهم التي تطورت عبر القرون. هنا، لا تُقاس الثروة بالذهب، بل بـ "الرنين" (عملة مشفرة صوتية) وبـ "ساعات الحرارة".
قوانين البقاء في بلاد الظلام:
الصوت هو الهوية: في "سديم"، صمتك هو أمانك. أي ضجيج غير مبرر تلتقطه "شبكة الرنين" الملكية يُعتبر تمرداً.
اللمس هو الخريطة: الناس يقرأون جدران المدينة كما يقرأ الأقدمون الكتب.
الملك غيهب المتحكم الوحيد في "نظام التدفئة المركزي". من يغضب عليه الملك، يستيقظ ليجد جدران بيته قد تحولت إلى قالب ثلج يبتلع أنفاسه
الفصل الاول : المدينة المجمدة
في عام 3050، لم يكن الاستيقاظ يعني رؤية الضوء، بل كان يعني الشعور بلسعة البرد التي تنهش العظام.
فتح "نديم" عينيه في ذلك السواد الحالك الذي لا يغادر غرفته أبداً. مد يده تحت وسادته واستخرج كيساً قماشياً صغيراً، هزه برفق فصدر منه صوت احتكاك معدني رقيق.. إنه "الرنين". كانت تلك كل ثروته؛ خمس عشرة قطعة فقط من عملة "الرنين"، وهي لا تكاد تكفي لشراء وجبة دافئة وجالون من الماء المفلتر.
نهض من فراشه المعدني بجسدٍ يملؤه الثقل. لم يكن بحاجة لإشعال أي مصباح، فالكهرباء في مدينة "سديم" كانت ترفاً محصوراً في قصر الملك وحاشيته. غسل وجهه بماءٍ يقترب من درجة التجمد، وارتدى سترته الثقيلة المبطنة بصوفٍ خشن صُمم خصيصاً ليحبس حرارة الجسد الضئيلة.

فتح باب غرفته وخرج إلى الممر الطويل. كانت الممرات في "سديم" تعجّ دائماً بالبشر؛ أجسادٌ تمضي إلى أعمالها وأخرى تعود، لكن الغريب أن أحداً لم يكن يجرؤ على رفع صوته. وبينما كان يسير، اصطدم كتفه بجاره العجوز "منصور"، الذي كان يعمل في صيانة أنابيب التدفئة.
"صباح الخير يا نديم، إلى أين الوجهة في هذا الوقت المبكر؟" سأل منصور وهو يعدل حقيبته على كتفه.
أجاب نديم بصوتٍ خفيض: “أهلاً يا عم منصور، أنا متوجه إلى الورشة. لقد أرسل الملك دفعة من أجهزة الاستشعار التي تحتاج لصيانة فورية، ويبدو أنهم على عجلة من أمرهم.”
ضحك منصور بسخرية مريرة: "وعلى ماذا يستعجلون؟ هل ستشرق الشمس غداً ونحن لا نعلم؟
قال عم منصور هل دفعت اشتراكك هذا الشهر
أومأ نديم برأسه وودعه مكملاً طريقه. عند وصوله إلى بوابة القطاع الصناعي، وقف أمام جهاز بصمة الصوت.
"الاسم والوظيفة؟" سأل صوتٌ آليٌ جاف.
“نديم.. فني صيانة إلكترونيات، القطاع الرابع.”
فُتحت البوابة بصريرٍ مزعج، ودخل نديم إلى ورشة ضيقة تفوح منها رائحة الزيت والكابلات المحروقة. جلس خلف مكتبه وبدأ بتفكيك جهاز استشعار حراري، وفي تلك الأثناء، دخل زميله "سعد" وكان التوتر جلياً على نبرته.
اقترب سعد منه وهمس: “هل سمعت ما حدث في المنطقة (أ)؟”
رد نديم دون أن يرفع عينيه عن عمله: “ماذا حدث؟”
قال سعد بصوتٍ مرتجف: “لقد رفع الملك ضريبة التدفئة. من لا يملك خمسين قطعة رنين شهرياً، يُقطع عنه البخار فوراً. الناس هناك يموتون من البرد يا نديم.”
ضغط نديم على المفك في يده بقوة حتى ابيضّت مفاصله، وقال بصوتٍ مخنوق:
“أهكذا إذن؟ يأخذ الملك (الرنين) منا ليدفئ قصره، بينما نموت نحن هنا كالفئران وسط الجليد؟”
في تلك اللحظة، دوّى صوت خطوات ثقيلة تقترب من باب الورشة.. خطوات أحذية عسكرية تعرفها القلوب قبل الآذان. لقد وصل الحرس.
تجمدت الحركة داخل الورشة، لكن ليس خوفاً من هجوم وشيك، بل احتراماً لرهبة السلطة التي دخلت المكان. "سعد" انشغل فوراً بترتيب بعض الأسلاك على طاولته، محاولاً ألا يلفت الأنظار، بينما ظل "نديم" مكانه، محافظاً على هدوئه المهني.
انفتح الباب الحديدي بهدوء، ودلف اثنان من حرس الملك. لم يكونا مدججين بالسلاح بشكل هجومي، بل كانا يرتديان بدلاتهما الرسمية الأنيقة التي تعزل حرارة أجسادهما تماماً عن جو الورشة البارد. كان صمت حركتهما يوحي بثقة مطلقة في أنه لا يوجد من يجرؤ على المقاومة.
تقدم أحدهما نحو طاولة نديم، ووضع صندوقاً معدنياً صغيراً مبطناً بالقطيفة السوداء.
"الفني نديم؟" سأل الحرس بنبرة هادئة ورسمية للغاية.
أجاب نديم بإيماءة خفيفة من رأسه: “نعم، أنا هو.”
“لقد جئنا لاستلام قطعة الاستشعار (M-12) الخاصة بالجناح الشرقي للقصر. الملك ينتظر تقرير الصيانة النهائي.”
مد نديم يده بهدوء، والتقط القطعة التي سهر على معايرتها لساعات. كانت القطعة تلمع ببريق فضي خافت تحت ضوء كشافه الصغير. وضعها داخل الصندوق المعدني بعناية فائقة، وكأنه يضع جوهرة ثمينة.
"لقد تم ضبط الترددات وتحديث نظام التنبيه الحراري. القطعة جاهزة للعمل بكفاءة كاملة." قال نديم بلهجة عملية خالية من أي مشاعر.
أغلق الحارس الصندوق بـ "تكة" ميكانيكية بسيطة، ثم أخرج من جيبه جهازاً صغيراً ومرره فوق معصم نديم. أصدر الجهاز صوتاً رقيقاً، ليعلن عن تحويل مكافأة العمل.
“تم إيداع عشر قطع من (الرنين) في حسابك تقديراً لسرعة الإنجاز. الملك يقدر المخلصين في عملهم.”
قال الحارس جملته الأخيرة بابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه، ثم استدار ومعه زميله، وخرجا من الورشة بنفس الهدوء الذي دخلا به.
ظل نديم واقفاً مكانه لثوانٍ، ينظر إلى الباب المغلق. عشر قطع من "الرنين".. مبلغ جيد، لكنه شعر بوزنها الثقيل في قلبه لا في حسابه. التفت إليه "سعد" بعد أن تأكد من رحيلهما، وقال بصوت خفيض:
“أرأيت؟ يأخذون أفضل ما لديك ليدفئوا قصورهم، ويعطونك القليل لتستمر في خدمتهم فقط. أنت الآن تصلح الأجهزة التي تراقب أنفاسنا يا نديم.”
لم يرد نديم، بل اكتفى بجمع أدواته. كان يعلم في قرارة نفسه أن القطعة التي سلمها للتو ليست مجرد "جهاز استشعار"، بل هي جزء من نظام معقد بدأ يفهم ثغراته جيداً.


لم ينتظر نديم طويلاً بعد رحيل الحرس؛ جمع أدواته بحرص، وأغلق ورشته الصغيرة، ثم انطلق وسط الزحام الرتيب للممرات. لم تكن وجهته هذه المرة "العمق 4" حيث يسكن، بل سلك طريقاً فرعياً يؤدي إلى "سوق الأطراف"، حيث تُباع المؤن النادرة والمستلزمات الحيوية.
هناك، وسط بريق المصابيح الزيتية الضعيفة وصيحات الباعة الخافتة، كان يوجد كشك صغير تفوح منه رائحة الأعشاب البرية المجففة. خلف المنصة الخشبية، كانت تقف "رحاب".
كانت رحاب تمتلك جمالاً هادئاً يبعث السكينة في النفس؛ بشرتها الصافية بدت كأنها منحوتة من مرمر نادر، وعيناها الواسعتان كانتا تعكسان القليل من النور المتاح في المكان، وكأنهما مرافئ آمنة لنديم وسط هذا التيه المظلم.
"عشر قطع من (الرنين) مقابل كيس من الحبوب المعالجة وبعض الزيت، هل هذا عدلٌ يا رحاب؟" قال نديم بنبرة مداعبة وهو يقترب منها، وقد ارتسمت على وجهه لأول مرة ابتسامة حقيقية.
رفعت رحاب رأسها، وبمجرد أن ميزت صوته، أشرق وجهها بابتسامة جعلت نديم ينسى برودة الجدران من حوله.
“أهلاً يا نديم. في عالمنا هذا، العدل أسطورة قديمة كالشمس. لكن بالنسبة لك، سأضيف قبضة من أوراق (شاي الثلج) كهدية.”
بينما كانت تزن له الحبوب، تلامست أصابعهما فوق المنصة. كانت يداها دافئتين بشكل غير معتاد، دفءٌ لم يكن آتياً من المفاعلات، بل من حياة ترفض الاستسلام. نظر نديم في عينيها وقال بصوت خفيض، بعيداً عن آذان المتلصصين:
“هل الاشتراك في حيّكِ ارتفع أيضاً؟ سمعتُ أخباراً سيئة اليوم في الورشة.”
تلاشت ابتسامة رحاب قليلاً، وحلّ محلها نوع من الحزن الشجاع.
“نعم، الملك لا يشبع يا نديم. والدي يقول إننا نبيع غدنا لنشتري دفء يومنا. لكن.. ما دام هناك رنين في جيوبنا، وصوتٌ في حناجرنا، فنحن بخير، أليس كذلك؟”
أومأ نديم برأسه، وأخذ منها الكيس، وشعر برغبة عارمة في أن يطمئنها، أن يخبرها بأن الأجهزة التي يصلحها بيده قد تكون يوماً ما سبباً في تحريرهم، لكنه اكتفى بالنظر إليها مطولاً قبل أن يقول:
“انتبهي لنفسكِ يا رحاب. الظلام اليوم يبدو أثقل من المعتاد.”
غادر نديم السوق وقلبه مثقل بمشاعر متضاربة؛ حبه لرحاب كان هو المحرك الذي يجعله يتحمل قسوة الملك، ولكنه كان أيضاً مكمن ضعفه، ففي "سديم"، أجمل الأشياء هي دائماً الأكثر عرضة للانكسار تحت وطأة الجليد.