قِصَّةُ اخْتِفَاءِ الإِمَامِ مُوسَى الصَّدْر | مَا الَّذِي حَدَثَ فِي طَرَابُلُسَ 1978؟
قِصَّةُ اخْتِفَاءِ الإِمَامِ مُوسَى الصَّدْرِ… سِرٌّ لَمْ يُكْشَفْ حَتَّى الْيَوْمِ
فِي صَيْفِ عَامِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ، كَانَتِ السَّمَاءُ فَوْقَ مَدِينَةِ طرابلس صَافِيَةً عَلَى غَيْرِ عَادَتِهَا، وَكَأَنَّهَا تُخْفِي فِي زُرْقَتِهَا سِرًّا ثَقِيلًا. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، خَطَا رَجُلٌ بِعِمَامَتِهِ السَّوْدَاءِ وَنَظَرَاتِهِ الْهَادِئَةِ إِلَى أَرْضِ الْمَطَارِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ خُطْوَتَهُ تِلْكَ سَتَكُونُ آخِرَ مَا يَرَاهُ النَّاسُ مِنْهُ.
كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ هُوَ موسى الصدر، رَجُلُ الدِّينِ وَالسِّيَاسَةِ، وَأَحَدُ أَبْرَزِ الشَّخْصِيَّاتِ فِي لبنان فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. رَجُلٌ عُرِفَ بِخُطَبِهِ الَّتِي تُحَرِّكُ الْقُلُوبَ، وَبِمَوَاقِفِهِ الَّتِي أَقْلَقَتْ كَثِيرِينَ، وَبِسَعْيِهِ الدَّائِمِ إِلَى وَأْدِ الْفِتْنَةِ فِي بِلَادٍ كَانَتْ تَغْلِي كَالْمِرْجَلِ.
لَمْ يَكُنِ الْمَشْهَدُ فِي مَطَارِ طَرَابُلُسَ يُنْذِرُ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ. وَفْدٌ رَسْمِيٌّ، دَعْوَةٌ سِيَاسِيَّةٌ، لِقَاءَاتٌ مُجَدْوَلَةٌ. فَقَدْ تَلَقَّى دَعْوَةً رَسْمِيَّةً مِنَ الْقَائِدِ اللِّيْبِيِّ آنَذَاكَ معمر القذافي لِزِيَارَةِ ليبيا وَمُنَاقَشَةِ قَضَايَا سِيَاسِيَّةٍ مُهِمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمِنْطَقَةِ.
وَصَلَ الإِمَامُ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ أُغُسْطُسَ، وَكَانَ مَعَهُ رَفِيقَاهُ: الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ يَعْقُوبُ، وَالصَّحَفِيُّ عَبَّاسُ بَدْرُ الدِّينِ. ثَلَاثَةُ رِجَالٍ دَخَلُوا الْبِلَادَ بِجَوَازَاتِ سَفَرٍ رَسْمِيَّةٍ… وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أَبَدًا.

فِي بيروت، كَانَتِ الْأَخْبَارُ تَتَنَاقَلُ بِبُطْءٍ. فِي الْبِدَايَةِ، ظَنَّ الْجَمِيعُ أَنَّ الْأَمْرَ تَأَخُّرٌ فِي الْبَرْنَامَجِ. رَجُلٌ بِمِثْلِ مَكَانَتِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَفِي بِبَسَاطَةٍ. لَكِنَّ الْأَيَّامَ مَرَّتْ، وَالْهَوَاتِفُ لَمْ تُجِبْ، وَالْأَبْوَابُ لَمْ تُفْتَحْ، وَالصَّمْتُ بَدَأَ يُثْقِلُ الصُّدُورَ.
فِي الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ أُغُسْطُسَ، أَعْلَنَتِ السُّلُطَاتُ اللِّيْبِيَّةُ أَنَّ الإِمَامَ غَادَرَ الْبِلَادَ مُتَّجِهًا إِلَى روما. قَالُوا إِنَّهُ اسْتَقَلَّ طَائِرَةً مُتَّجِهَةً إِلَى إيطاليا، وَأَنَّهُ دَخَلَ أَرَاضِيهَا.
لَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ كَانَتْ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ: لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ فِي رُومَا.
الْفَنَادِقُ أَنْكَرَتْ وُجُودَهُ، وَالْجَوَازَاتُ لَمْ تُسَجِّلْ دُخُولَهُ، وَالْمَطَارُ لَمْ يَحْمِلْ أَثَرًا لِخُطْوَاتِهِ. وَكَأَنَّ الرَّجُلَ ذَابَ فِي الْهَوَاءِ.
تَصَاعَدَ الْغُمُوضُ. بَدَأَتِ الشُّكُوكُ تَتَجَمَّعُ كَسُحُبٍ سَوْدَاءَ. هَلْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ اللِّيْبِيَّةُ صَحِيحَةً؟ أَمْ أَنَّ وَرَاءَ الْكَوَالِيسِ مَا لَا يُرَادُ لَهُ أَنْ يُرَى؟
كَانَتِ الْمِنْطَقَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَعِيشُ تَوَتُّرًا سِيَاسِيًّا شَدِيدًا. الْحَرْبُ الْأَهْلِيَّةُ فِي لُبْنَانَ مُشْتَعِلَةٌ، وَالصِّرَاعَاتُ الْإِقْلِيمِيَّةُ تَتَدَاخَلُ كَخُيُوطِ شَبَكَةٍ مُعَقَّدَةٍ. وَكَانَ الإِمَامُ مُوسَى الصَّدْرُ صَوْتًا مُؤَثِّرًا، لَا يَخْشَى الْمُوَاجَهَةَ، وَلَا يُجَامِلُ فِي الْمَبَادِئِ.
قِيلَ إِنَّهُ اخْتَلَفَ مَعَ الْقَذَّافِيِّ فِي لِقَاءٍ سِرِّيٍّ. وَقِيلَ إِنَّ الْجَلْسَةَ تَحَوَّلَتْ إِلَى مُشَادَّةٍ حَادَّةٍ. وَقِيلَ إِنَّهُ خَرَجَ غَاضِبًا. وَلَكِنْ… لَا أَحَدَ يَمْلِكُ دَلِيلًا قَاطِعًا.
وَمِنْ هُنَا بَدَأَتِ الْقِصَّةُ تَتَحَوَّلُ مِنْ خَبَرٍ سِيَاسِيٍّ إِلَى لُغْزٍ تَارِيخِيٍّ.
فِي سَنَوَاتٍ لَاحِقَةٍ، فُتِحَتْ تَحْقِيقَاتٌ عِدَّةٌ. أَصْدَرَتْ مَحَاكِمُ فِي لبنان مَذَكِّرَاتِ تَوْقِيفٍ غِيَابِيَّةً بِحَقِّ الْقَذَّافِيِّ وَبَعْضِ مُسَاعِدِيهِ، مُتَّهِمِينَ إِيَّاهُمْ بِاخْتِطَافِ الإِمَامِ وَرَفِيقَيْهِ. وَلَكِنَّ السِّيَاسَةَ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنَ الْقَضَاءِ، وَالْحَقَائِقَ كَانَتْ تُدْفَنُ تَحْتَ رُكَامِ الْمَصَالِحِ.
مَرَّتِ السِّنُونَ… وَالْأُمُّهَاتُ كَبِرْنَ، وَالْأَطْفَالُ أَصْبَحُوا رِجَالًا، وَالصُّورَةُ ذَاتُهَا لِلْإِمَامِ بِعِمَامَتِهِ السَّوْدَاءِ بَقِيَتْ تُرْفَعُ فِي الْمَسِيرَاتِ، وَتُعَلَّقُ فِي الْبُيُوتِ، وَتَتَصَدَّرُ الْمَجَالِسَ.
ثُمَّ جَاءَ عَامُ أَلْفَيْنِ وَأَحَدَ عَشَرَ.
اهْتَزَّتِ ليبيا عَلَى وَقْعِ ثَوْرَةٍ عَارِمَةٍ. وَسَقَطَ نِظَامُ معمر القذافي بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ الْحُكْمِ. وَفِي فَوْضَى السُّقُوطِ، تَجَدَّدَ الْأَمَلُ.
قِيلَ إِنَّ الْمِلَفَّاتِ السِّرِّيَّةَ سَتُفْتَحُ. وَإِنَّ السُّجُونَ السِّرِّيَّةَ سَتُكْشَفُ. وَإِنَّ الْأَسْمَاءَ سَتُذْكَرُ. تَوَجَّهَتِ الْوُفُودُ اللُّبْنَانِيَّةُ إِلَى طَرَابُلُسَ، بَحْثًا عَنْ خَيْطٍ، عَنْ وَرَقَةٍ، عَنْ شَاهِدٍ صَامِتٍ.
وَفِي أَحَدِ السُّجُونِ الْقَدِيمَةِ، قَالَ سَجِينٌ سَابِقٌ إِنَّهُ رَأَى رَجُلًا بِمَوَاصِفَاتٍ تُشْبِهُ الإِمَامَ فِي ثَمَانِينَاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي. وَفِي شَهَادَةٍ أُخْرَى، قِيلَ إِنَّهُ نُقِلَ إِلَى سِجْنٍ آخَرَ، ثُمَّ اخْتَفَى أَثَرُهُ.
كُلُّ شَهَادَةٍ كَانَتْ تُشْعِلُ أَمَلًا… ثُمَّ تُطْفِئُهُ الرِّيَاحُ.
الْغَرِيبُ أَنَّ الْقِصَّةَ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ اخْتِفَاءٍ. بَلْ أَصْبَحَتْ رَمْزًا. رَمْزًا لِغِيَابِ الْعَدَالَةِ، وَلِصِرَاعِ الْحَقِيقَةِ مَعَ السُّلْطَةِ، وَلِسُؤَالٍ يُطَارِدُ الضَّمَائِرَ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُخْفِيَ التَّارِيخُ رَجُلًا إِلَى الْأَبَدِ؟
فِي بيروت، كَانَتِ السَّاعَةُ تَدُقُّ كُلَّ عَامٍ فِي ذِكْرَى اخْتِفَائِهِ، وَيَخْرُجُ النَّاسُ يُجَدِّدُونَ الْمُطَالَبَةَ بِالْحَقِيقَةِ. وَفِي طرابلس، بَقِيَتْ أَبْوَابٌ مُغْلَقَةٌ، وَمِلَفَّاتٌ لَمْ تُفْتَحْ كَامِلَةً.
بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ يَرَوْنَ أَنَّ اخْتِفَاءَهُ كَانَ قَرَارًا سِيَاسِيًّا مُبَيَّتًا. وَبَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ قُتِلَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ مِنِ اعْتِقَالِهِ. وَآخَرُونَ لَا يَزَالُونَ يُؤْمِنُونَ أَنَّهُ بَقِيَ حَيًّا سِنِينَ طَوِيلَةً فِي سِجْنٍ سِرِّيٍّ.
وَلَكِنَّ الْحَقِيقَةَ… لَا تَزَالُ مَفْقُودَةً.
تَخَيَّلْ مَعِي ذَلِكَ الْمَشْهَدَ الْأَخِيرَ: رَجُلٌ يَدْخُلُ قَاعَةً فِي قَصْرٍ فِي طَرَابُلُسَ. أَبْوَابٌ تُغْلَقُ خَلْفَهُ. أَصْوَاتٌ تَعْلُو. صَمْتٌ مُفَاجِئٌ. ثُمَّ… لَا شَيْءَ.
لَا صُورَةَ، لَا تَسْجِيلَ، لَا وَثِيقَةَ مُؤَكَّدَةً.
فَقَطْ سُؤَالٌ مُعَلَّقٌ فِي فَضَاءِ التَّارِيخِ.
وَرُبَّمَا يَكْمُنُ سِرُّ جَاذِبِيَّةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي أَنَّهَا غَيْرُ مُكْتَمِلَةٍ. فَالنُّفُوسُ تُحِبُّ النِّهَايَاتِ الْوَاضِحَةَ، وَتَكْرَهُ الْفَرَاغَ. وَحِينَ يَبْقَى الْفَرَاغُ مَفْتُوحًا، يَبْقَى الْأَمَلُ أَيْضًا مَفْتُوحًا.
وَهَكَذَا، بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ عَامًا، لَا يَزَالُ اسْمُ موسى الصدر يُذْكَرُ كُلَّمَا ذُكِرَتِ الْأَلْغَازُ السِّيَاسِيَّةُ فِي الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ. لَا لِأَنَّهُ اخْتَفَى فَقَطْ، بَلْ لِأَنَّ اخْتِفَاءَهُ كَشَفَ عَنْ هَشَاشَةِ الْحَقِيقَةِ فِي وَجْهِ الْقُوَّةِ.
أَيُّهَا الْمُشَاهِدُ الْكَرِيمُ…
إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ قَدْ أَثَارَتْ فِي نَفْسِكَ التَّسَاؤُلَ، أَوْ حَرَّكَتْ فِيكَ فُضُولًا لِمَعْرِفَةِ مَا خَفِيَ مِنْ أَسْرَارِ التَّارِيخِ، فَلَا تَنْسَ أَنْ تُظْهِرَ دَعْمَكَ.
اضْغَطْ عَلَى زِرِّ الإِعْجَابِ لِتَصِلَكَ مِثْلُ هَذِهِ الْقِصَصِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الْغُمُوضِ وَالتَّارِيخِ، وَاشْتَرِكْ فِي الْقَنَاةِ لِتَكُونَ جُزْءًا مِنْ رِحْلَةِ الْبَحْثِ عَنِ الْحَقِيقَةِ.
فَلَعَلَّ الْقِصَّةَ الْقَادِمَةَ تَحْمِلُ لَنَا خَيْطًا جَدِيدًا… أَوْ تَكْشِفُ سِرًّا دُفِنَ طَوِيلًا.
وَإِلَى أَنْ نَلْتَقِيَ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى… يَبْقَى السُّؤَالُ قَائِمًا:
أَيْنَ اخْتَفَى الإِمَامُ؟ وَمَنْ يَمْلِكُ الْحَقِيقَةَ؟