السلطان الظاهر بيبرس: مؤسس الدولة المملوكية الجديدة وصانع التحول في ميزان القوى
السلطان الظاهر بيبرس

يُعدّ الظاهر بيبرس (1223–1277م) واحدًا من أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخ الإسلام الوسيط. لم يكن مجرد قائد عسكري بارز، بل كان رجل دولة أعاد تشكيل المشرق الإسلامي بعد أن كاد يسقط بالكامل تحت ضربات المغول والصليبيين. ومن منظور المؤرخ الحديث، فإن أهمية بيبرس لا تكمن فقط في انتصاراته العسكرية، بل في قدرته على إعادة بناء السلطة، وإعادة تعريف مفهوم الدولة في عصر الانهيار.
أولاً: من العبودية إلى السلطة – تشكّل شخصية الدولة
وُلد بيبرس في سهوب القبجاق، وأُسر صغيرًا ليُباع في أسواق الرقيق، قبل أن ينتهي به المطاف ضمن طبقة المماليك في مصر. هذه الخلفية ليست تفصيلًا هامشيًا؛ بل هي مفتاح لفهم شخصيته السياسية. فقد نشأ في بيئة عسكرية صارمة تقوم على الكفاءة لا النسب، وعلى الولاء للمؤسسة لا للعائلة.
في زمن كانت فيه الشرعية السياسية في العالم الإسلامي قائمة على النسب القرشي أو العباسي، جاء بيبرس من خارج المعادلة التقليدية. لذا كان عليه أن يصنع شرعيته بنفسه، عبر السيف أولًا، ثم عبر إعادة بناء الرمزية السياسية للخلافة ثانيًا.
ثانيًا: عين جالوت – لحظة التحول التاريخي
مثّلت معركة عين جالوت سنة 1260م نقطة التحول الكبرى. فبعد سقوط بغداد سنة 1258م على يد هولاكو خان، بدا أن العالم الإسلامي يسير نحو الانهيار الكامل.
في عين جالوت، لعب بيبرس دورًا حاسمًا في قيادة الجناح المتقدم من الجيش المملوكي تحت قيادة السلطان قطز. لم يكن الانتصار مجرد معركة رابحة، بل كان إعلانًا بأن المغول يمكن هزيمتهم، وأن مشروعهم التوسعي ليس قدرًا تاريخيًا محتومًا.
من زاوية تحليلية، يمكن القول إن بيبرس أدرك أن المعركة لم تكن عسكرية فقط، بل رمزية أيضًا: هزيمة المغول أعادت الثقة السياسية والعسكرية إلى المنطقة بأسرها.
ثالثًا: إعادة بناء الشرعية – إحياء الخلافة العباسية في القاهرة
بعد مقتل قطز وتولّي بيبرس السلطنة سنة 1260م، واجه معضلة الشرعية. فهو ليس من بيت ملك، ولا من نسل الخلفاء. فجاءت خطوته الذكية بإعادة إحياء الخلافة العباسية في القاهرة بعد سقوطها في بغداد.
أحضر أحد الناجين من البيت العباسي، وأعلن قيام خلافة صورية تمنحه الغطاء الشرعي. هذه الخطوة تكشف عن وعي سياسي عميق؛ إذ فهم بيبرس أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن الرمزية الدينية عنصر أساسي في تثبيت الحكم.
رابعًا: مشروع الدولة المركزية
لم يكن بيبرس قائد معارك فحسب، بل مهندس دولة. فقد عمل على:
إعادة تنظيم الجيش وفق نظام إقطاعي عسكري (الإقطاع الحربي).
إنشاء جهاز استخبارات واسع لرصد التحركات الداخلية والخارجية.
تقوية شبكة البريد (البريد السلطاني) لضمان سرعة الاتصال بين الأقاليم.
دعم القضاء والعلماء لكسب الشرعية الاجتماعية.
من منظور المؤرخ المعاصر، يمكن اعتبار بيبرس مؤسس الدولة المملوكية المركزية ذات الطابع العسكري–البيروقراطي، والتي ستستمر قرنين ونصف بعده.
خامسًا: المواجهة مع الصليبيين
استغل بيبرس انشغال المغول بصراعاتهم الداخلية، وبدأ حملة منهجية ضد الإمارات الصليبية في الشام. فاستعاد قلاعًا ومدنًا استراتيجية، وضيّق الخناق على ما تبقى من الوجود الصليبي.
لم يكن هدفه مجرد القتال، بل تفكيك البنية السياسية والعسكرية للخصم تدريجيًا. وبحلول وفاته سنة 1277م، كانت الإمارات الصليبية في حالة احتضار فعلي.
سادسًا: بيبرس بين البطولة والبراغماتية
في المصادر الإسلامية، يظهر بيبرس بطلاً فاتحًا. أما في القراءة الحديثة، فتبدو شخصيته أكثر تعقيدًا:
كان صارمًا إلى حد القسوة.
استخدم الاغتيال السياسي عند الحاجة.
مارس سياسة الردع بلا تردد.
لكنه في الوقت نفسه كان إداريًا بارعًا، يدرك أن الدولة لا تُبنى بالحماسة وحدها، بل بالمؤسسات.
خاتمة: صانع التوازن في زمن الانهيار
حين نقرأ سيرة الظاهر بيبرس اليوم، لا نراه مجرد سلطان مملوكي، بل رجل لحظة تاريخية فارقة. لقد جاء في زمن انهيار عالمي: سقوط بغداد، تمدد المغول، وضعف العالم الإسلامي.
فحوّل الهزيمة إلى مشروع مقاومة، والفوضى إلى دولة، والفراغ السياسي إلى نظام جديد.
وبهذا المعنى، فإن بيبرس لم يكن فقط حاكمًا ناجحًا، بل كان مهندس إعادة التوازن في شرق البحر المتوسط في القرن الثالث عشر.