غزالة الشيبانية: امرأة السيف والتمرّد في العصر الأموي
غزالة الشيبانية: امرأة السيف والتمرّد في العصر الأموي
![]()

![]()
تُعدّ غزالة الشيبانية واحدة من أكثر الشخصيات النسائية إثارةً للجدل في التاريخ الإسلامي المبكر، ليس لأنها خرجت على السلطة الأموية فحسب، بل لأنها فعلت ذلك بوصفها قائدة عسكرية شاركت في القتال، وقادت الرجال، ودخلت الكوفة دخول المنتصرين. وفي سياقٍ تاريخيٍ طغى عليه حضور الرجال في ميادين السياسة والحرب، تبرز غزالة باعتبارها استثناءً لافتًا، يجمع بين الجرأة الدينية والتمرّد السياسي.
أولًا: السياق التاريخي – العراق في قبضة التوتر الأموي
ظهرت غزالة في أواخر القرن الأول الهجري، في مرحلة اتسمت بالاضطراب السياسي في العراق، خاصةً في ظل ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي على الكوفة والبصرة. كان العراق آنذاك مسرحًا لصراعات متشابكة بين السلطة الأموية ومعارضيها من الشيعة والخوارج وغيرهم.
ينتمي زوجها، شبيب بن يزيد الشيباني، إلى الخوارج، وتحديدًا فرقة الشُّراة، الذين تبنّوا موقفًا متشددًا من السلطة، معتبرين أن الخلافة لا تكون إلا للأتقى، وأن الخروج على الحاكم الجائر واجب ديني.
ثانيًا: غزالة والخروج المسلح
لم تكن غزالة مجرّد زوجة قائد خارجي، بل شاركت فعليًا في القتال، وبرز اسمها في ثورة شبيب بن يزيد ضد الدولة الأموية سنة 76هـ تقريبًا. وتشير الروايات إلى أنها كانت تقاتل بنفسها، وأنها أظهرت شجاعةً جعلتها مضرب المثل.
أشهر ما يُروى عنها أنها نذرت أن تدخل الكوفة وتصلي في مسجدها الجامع ركعتين، وفاءً بعهدٍ قطعته إن هي غلبت الحجاج. وبالفعل، عندما تمكّن شبيب من دخول الكوفة مؤقتًا، دخلت غزالة المسجد، وأطالت الصلاة فيه، في مشهدٍ حمل دلالات رمزية قوية: امرأة خارجة تتحدّى والي العراق الأقوى في الدولة الأموية، وتصلي في قلب سلطته.
هذه الحادثة تركت أثرًا بالغًا في المخيال الشعبي، حتى إن الحجاج نفسه قيل إنه تحصّن في قصر الإمارة آنذاك، مما جعل خصومه يسخرون منه في الأشعار.
ثالثًا: الصورة بين الرواية والتاريخ
ينبغي للمؤرخ الحديث أن يتعامل بحذر مع الروايات المتعلقة بغزالة. فمعظم الأخبار وردت في كتب التاريخ والأدب التي كُتبت لاحقًا، مثل روايات المؤرخين في القرنين الثالث والرابع الهجريين. ومن ثمّ، قد تكون بعض التفاصيل قد خضعت للمبالغة، خاصةً ما يتعلّق بإذلال الحجاج أو تصويره في موقف ضعف.
لكن حتى مع احتمال المبالغة، فإن وجود امرأة تقود رجالًا في حركة مسلحة، وتشارك في اقتحام مدينة كبيرة كالكوفة، يظل أمرًا ذا دلالة تاريخية مهمة. فهو يكشف عن:
طبيعة الحركات الخارجية التي لم تفرّق – نظريًا – بين الرجال والنساء في التكليف الديني.
حجم السخط الشعبي في العراق، بحيث أمكن لحركة متمردة أن تدخل الكوفة ولو مؤقتًا.
هشاشة السيطرة الأموية في بعض مراحلها الأولى.
رابعًا: غزالة بين العقيدة والرمز
لم تكن غزالة متمرّدة بدافع شخصي، بل انطلقت – بحسب خطاب الخوارج – من قناعة دينية تعتبر الخروج على الحاكم الظالم واجبًا. ومن هنا، فإن شخصيتها تمثل نموذجًا للمرأة المؤدلجة، التي ترى في السيف وسيلة لتحقيق ما تراه عدلًا إلهيًا.
ومع ذلك، فإن حركتها لم تدم طويلًا. فقد انتهت ثورة شبيب بعد معارك متتابعة مع جيوش الحجاج، وقُتل شبيب سنة 77هـ تقريبًا، ثم قُتلت غزالة بعد ذلك بمدة قصيرة، لتنتهي واحدة من أكثر الثورات جرأة في تاريخ العراق الأموي.
خامسًا: الدلالة التاريخية لشخصية غزالة
يمكن قراءة شخصية غزالة الشيبانية على ثلاثة مستويات:
المستوى السياسي: تمثل تحديًا مباشرًا للسلطة الأموية في ذروة محاولتها تثبيت الحكم بعد الفتنة الثانية.
المستوى الاجتماعي: تكشف عن مساحة حركة أوسع للنساء داخل بعض التيارات المتشددة، مقارنةً بالسائد في المجتمع العام.
المستوى الرمزي: أصبحت رمزًا في الأدب الشعبي لشجاعة المرأة وصلابتها.
وبالنسبة للمؤرخ، فإن غزالة ليست مجرد حكاية بطولية، بل نافذة لفهم طبيعة المجتمع العراقي في القرن الأول الهجري، حيث تداخل الدين بالسياسة، والقبيلة بالعقيدة، والسيف بالشعار.
خاتمة
تظل غزالة الشيبانية شخصية إشكالية: هل كانت بطلةً ثائرة أم متمرّدة خارجة على النظام؟ الإجابة تختلف باختلاف المنظور. لكن المؤكد أنها كسرت الصورة النمطية لدور المرأة في ذلك العصر، وفرضت حضورها في واحدة من أكثر مراحل التاريخ الأموي اضطرابًا.