عين العاصفة: أسطورة مدينة النحاس

عين العاصفة: أسطورة مدينة النحاس

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

خريطة من رماد

كان هواء القاهرة في أواخر الخريف يحمل معه برودة خفيفة، لكن داخل مكتب "يوسف" في الطابق الثالث من مبنى عتيق بوسط البلد، كان الجو خانقاً برائحة القهوة المغلية والورق القديم. المكتب لم يكن مجرد مكان للعمل، بل كان متحفاً فوضوياً؛ أكوام من المخطوطات تعتلي الكراسي، خرائط جغرافية متهالكة تفترش الطاولة الخشبية، وقطع فخارية منسية في الزوايا. يوسف، عالم الآثار الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره، كان يفرك عينيه المتعبتين محاولاً التركيز على شاشة حاسوبه، حين قاطع سكون الغرفة طرقات متقطعة على الباب.

دخل ساعي البريد يحمل طرداً صغيراً مغلفاً بورق بني سميك، ومربوطاً بخيط خشن. لم يكن يوسف ينتظر شيئاً، ولكن ما جعل قلبه يتخطى نبضة هو الاسم المكتوب بخط يدوي مرتجف في خانة المُرسل: "الأستاذ الدكتور عبد الرحمن كمال".

جده... الذي فارق الحياة منذ أكثر من خمس سنوات.

جلس يوسف على كرسيه الجلدي المتهالك، ويداه ترتجفان وهو يفض الغلاف. بداخل الورق البني، وجد صندوقاً خشبياً تفوح منه رائحة خشب الصندل والزمن. وبفتح الصندوق، لم يجد رسالة أو وصية، بل أسطوانة معدنية ثقيلة، يكسوها صدأ أخضر يشي بقدمها، ومزينة بنقوش هندسية دقيقة تكاد تنطمس.

أدار الأسطوانة بين أصابعه، حتى وجد زراً خفياً عند قاعدتها. بضغطة خفيفة، انفتح الغطاء بـ "طقطقة" ميكانيكية حادة. مدّ إصبعين بحذر وسحب المحتوى: قطعة من جلد الغزال، أطرافها محترقة ومتهرئة وكأنها نجت من حريق هائل .

image about عين العاصفة: أسطورة مدينة النحاس

فرد يوسف القطعة الجلدية تحت مصباح مكتبه. لم تكن خريطة تقليدية؛ لم تحتوِ على خطوط طول أو عرض، بل كانت شبكة من الرموز الفلكية القديمة، وإحداثيات تعتمد على حركة النجوم، تتوسطها دائرة نحاسية اللون كُتب بداخلها بخط كوفي معقد: "هنا ترقد مدينة النحاس، حيث ينام حارس الرمال".

اتسعت عينا يوسف. مدينة النحاس! أسطورة الصحراء الكبرى التي لطالما اعتبرها الأكاديميون مجرد خرافة من حكايات الماضي. مدينة قيل إنها شُيدت من النحاس الخالص، وابتلعتها رمال بحر الرمال الأعظم. جده كان مهووساً بهذه الأسطورة، لدرجة أنها كلفته سمعته الأكاديمية... وربما حياته.

لم يفكر يوسف مرتين. التقط هاتفه المحمول وضغط على رقم يعرفه عن ظهر قلب.

رن الهاتف لثوانٍ قبل أن يأتي الصوت من الطرف الآخر، مليئاً بالنشاط: "يوسف! أتمنى ألا تكون قد اتصلت لتلغي غداءنا غداً".

قال يوسف بصوت لاهث: “ليلى، انسي الغداء. أين أنتِ الآن؟”

أجابت "ليلى"، خبيرة الجيولوجيا وصديقته الأقرب، بنبرة حذرة: "في المختبر، أحلل عينات من الصحراء الغربية. ماذا هناك؟ صوتك غريب".

image about عين العاصفة: أسطورة مدينة النحاس

قال وهو يطوي الخريطة الجلدية بحذر ويدسها في سترته: "جهزي معداتك، سيارة الدفع الرباعي، وكل ما تعرفينه عن بحر الرمال الأعظم. لقد وجدت شيئاً... أو بالأحرى، هو من وجدني. نحن ذاهبان للبحث عن مدينة النحاس".

ساد صمت طويل على الطرف الآخر، قبل أن تتنهد ليلى وتقول: "أنت مجنون يا يوسف. متى نتحرك؟".

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
ايمن الحديدي تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.