طبيب الموت الذي هرب إلى مصر

ما قصه أحطر طبيب نازي في التاريخ؟
في صفحات التاريخ المظلمة تظهر أسماء ارتبطت بالرعب والدمار، أسماء لم تُعرف بالعلم أو الرحمة رغم أنهم حملوا لقب “طبيب”. ومن بين تلك الأسماء برز اسم الطبيب النمساوي أريبرت هايم، الذي عرفه السجناء في معسكرات الاعتقال النازية بلقب “طبيب الموت” أو “جزار ماوتهاوزن”. كانت حياته قصة طويلة من التناقضات؛ فقد بدأ حياته شابًا طموحًا يدرس الطب ويحلم بالمستقبل، لكنه انتهى به المطاف كأحد أكثر مجرمي الحرب المطلوبين في العالم. ثم اختفى فجأة ليظهر بعد عقود في مكان بعيد تمامًا عن أوروبا: في مصر، تحت اسم جديد وهو طارق فريد حسين.
هذه القصة ليست مجرد سيرة رجل واحد، بل هي قصة زمن كامل: زمن الحرب العالمية الثانية، وصعود النازية، والمطاردات الدولية لمجرمي الحرب، والهروب الطويل الذي استمر عقودًا.
الفصل الأول: الميلاد والنشأة
ولد أريبرت فرديناند هايم في 28 يونيو عام 1914 في بلدة صغيرة تسمى باد رادكرسبورغ الواقعة في النمسا، والتي كانت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية النمساوية المجرية. نشأ في أسرة متوسطة الحال؛ كان والده يعمل شرطيًا، بينما كانت والدته ربة منزل تهتم بتربية أطفالها.
في تلك الفترة كانت أوروبا تمر بمرحلة اضطراب شديد بعد الحرب العالمية الأولى. الإمبراطورية النمساوية المجرية تفككت، وانتشرت البطالة والفقر والاضطرابات السياسية في المنطقة. نشأ هايم في هذه البيئة المضطربة، حيث كانت الأفكار القومية المتطرفة تنتشر بسرعة بين الشباب.
كان الطفل أريبرت هادئًا في الظاهر، لكنه كان يتمتع بطموح كبير ورغبة في إثبات نفسه. في المدرسة أظهر تفوقًا ملحوظًا في العلوم، وخاصة في مادة الأحياء، وكان يقول لأساتذته إنه يريد أن يصبح طبيبًا. بالنسبة لعائلته، كان هذا حلمًا مشرفًا؛ فمهنة الطب كانت تُعد من أرقى المهن في المجتمع الأوروبي آنذاك.
لكن السنوات التي تلت طفولته لم تكن عادية. أوروبا كلها كانت تتجه نحو العاصفة التي ستعرف لاحقًا بالحرب العالمية الثانية.
الفصل الثاني: سنوات الدراسة وبداية التحول
بعد إنهاء دراسته الثانوية، التحق هايم بكلية الطب في جامعة غراتس في النمسا، ثم أكمل دراسته في فيينا. في تلك الفترة كان شابًا طويل القامة، رياضيًا، ويحب الرياضة وخاصة لعبة الهوكي على الجليد.
كان يبدو في تلك السنوات كشاب عادي، وربما حتى محبوب من بعض زملائه. لكنه كان يعيش في بيئة سياسية مشحونة، حيث بدأت الأفكار النازية تنتشر بين بعض الشباب في النمسا وألمانيا.
في عام 1938 حدثت نقطة تحول مهمة في حياته، عندما قامت ألمانيا النازية بضم النمسا فيما عرف بـ“الأنشلوس”. بعد ذلك بدأ العديد من الشباب النمساويين بالانضمام إلى التنظيمات النازية، ومن بينهم أريبرت هايم.
انضم هايم إلى قوات SS النازية، وهي إحدى أكثر المؤسسات العسكرية تشددًا في النظام النازي. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، أصبح جزءًا من آلة الحرب الألمانية.
الفصل الثالث: الحرب العالمية الثانية
عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية كانت أوروبا تغرق في الصراع. ألمانيا النازية بقيادة هتلر بدأت توسعها العسكري في القارة. في هذه الفترة تم استدعاء العديد من الأطباء للعمل في الجيش الألماني ومعسكرات الاعتقال.
كان أريبرت هايم واحدًا منهم.
في البداية عمل طبيبًا عسكريًا في وحدات الجيش الألماني، لكن لاحقًا تم تعيينه طبيبًا في معسكرات الاعتقال التابعة للنازيين، ومنها معسكر ماوتهاوزن الشهير في النمسا.
هذا المعسكر كان واحدًا من أسوأ معسكرات الاعتقال في النظام النازي، حيث تم احتجاز آلاف السجناء، من اليهود والأسرى السياسيين وغيرهم.
الفصل الرابع: طبيب الموت
في معسكر ماوتهاوزن اكتسب هايم سمعته المرعبة. السجناء الذين نجوا من المعسكر وصفوه بأنه واحد من أكثر الأطباء قسوة في النظام النازي.
كان يقوم بتجارب طبية وحشية على السجناء. من بين تلك التجارب:
إجراء عمليات جراحية بدون تخدير.
حقن مواد سامة مباشرة في قلوب السجناء.
بتر أعضاء بشرية لأغراض “علمية”.
تشريح أجساد الضحايا وهم أحياء أحيانًا.
كان الهدف المعلن لهذه التجارب هو البحث العلمي، لكن في الواقع كانت أشبه بعمليات تعذيب مميتة.
بحسب شهادات الناجين، كان هايم أحيانًا يختار السجناء الأصحاء لإجراء التجارب عليهم، فقط لمعرفة كيف يتفاعل الجسم مع الألم أو السموم.
لهذا السبب أطلق عليه السجناء لقب “طبيب الموت”.
الفصل الخامس: نهاية الحرب والاعتقال
مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945، بدأت ألمانيا النازية تنهار أمام تقدم قوات الحلفاء.
عندما انتهت الحرب، تم اعتقال العديد من الضباط والأطباء النازيين، ومن بينهم أريبرت هايم.
احتجزه الجيش الأمريكي لفترة، لكنه لم يُتهم رسميًا في ذلك الوقت بسبب نقص الأدلة المباشرة. وبعد حوالي عامين تم إطلاق سراحه.
هذه كانت واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في قصته؛ إذ تمكن من العودة إلى الحياة الطبيعية رغم الشهادات العديدة عن جرائمه.
الفصل السادس: حياة طبيب بعد الحرب
بعد خروجه من الاعتقال عاد هايم إلى ألمانيا الغربية، واستقر في مدينة بادن بادن.
هناك بدأ العمل كطبيب نساء وتوليد، وعاش حياة تبدو طبيعية تمامًا.
تزوج وأنجب أطفالًا، وفتح عيادة طبية، وكان المرضى يزورونه دون أن يعرفوا شيئًا عن ماضيه في معسكرات الاعتقال.
لكن مع مرور الوقت بدأت السلطات الألمانية تعيد التحقيق في جرائم الحرب النازية، وظهرت شهادات جديدة ضده.
بحلول أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، بدأت الشرطة تجمع الأدلة لمحاكمته.
الفصل السابع: الهروب الكبير
في عام 1962 وصلت الأخبار إلى هايم بأن السلطات الألمانية تستعد لاعتقاله بتهمة قتل مئات السجناء خلال الحرب.
عندها اتخذ قرارًا سيغير حياته بالكامل.
اختفى فجأة.
ترك منزله وعمله وعائلته، واختفى دون أن يترك أثرًا واضحًا.
تشير التقارير إلى أنه سافر عبر عدة دول أوروبية، ثم انتقل إلى إسبانيا، ومنها إلى المغرب، وبعدها إلى ليبيا، قبل أن يصل أخيرًا إلى مصر.
الفصل الثامن: حياة جديدة في مصر
عندما وصل هايم إلى مصر، كان عليه أن يبدأ حياة جديدة بالكامل.
غير اسمه وأصبح يعرف باسم طارق فريد حسين. وتشير بعض التقارير إلى أنه اعتنق الإسلام خلال تلك الفترة، ربما ليحمي نفسه من الشكوك ويذوب في المجتمع المحلي.
عاش في القاهرة لسنوات طويلة.
كان يعيش حياة بسيطة نسبيًا، وأقام في غرفة صغيرة في أحد الفنادق القديمة. كان الناس الذين يعرفونه يرونه رجلًا ألمانيًا هادئًا يحب التصوير الفوتوغرافي ويتجنب الحديث عن ماضيه.
لم يكن معظم من حوله يعلمون أنه أحد أكثر مجرمي الحرب المطلوبين في العالم.
الفصل التاسع: المطاردة الدولية
خلال تلك السنوات كانت منظمات دولية عديدة تحاول العثور عليه، مثل مركز سيمون فيزنتال الذي كان يلاحق مجرمي الحرب النازيين.
في بعض الفترات اعتقدت السلطات أنه يعيش في أمريكا الجنوبية أو في إسبانيا.
كان اسمه يظهر باستمرار في قوائم “أكثر مجرمي الحرب المطلوبين”.
لكن الحقيقة كانت أنه يعيش بهدوء في القاهرة.
الفصل العاشر: السنوات الأخيرة
في أواخر الثمانينيات بدأ المرض ينهش جسد الرجل الذي أرعب الآلاف.
أصيب بسرطان الأمعاء، وهو مرض مؤلم وشديد.
بحلول أوائل التسعينيات أصبحت حالته الصحية سيئة للغاية.
وبحسب شهادات عائلته، كان ابنه يزوره أحيانًا في القاهرة.
في العاشر من أغسطس عام 1992 توفي الرجل الذي عرفه التاريخ باسم أريبرت هايم، بينما كان في مصر يعرف باسم طارق فريد حسين.
توفي عن عمر يناهز 78 عامًا بعد صراع مع المرض.
الفصل الحادي عشر: لغز بعد الموت
حتى بعد وفاته استمرت قصة هذا الرجل في إثارة الجدل.
لعدة سنوات لم يكن العالم متأكدًا من مصيره. ظهرت تقارير تقول إنه يعيش في تشيلي، وأخرى تقول إنه في الأرجنتين.
لكن في عام 2009 ظهرت وثائق في القاهرة تشير إلى أنه عاش هناك بالفعل تحت اسم طارق فريد حسين، وأنه توفي عام 1992.
لاحقًا أكدت محكمة ألمانية هذه الرواية بعد دراسة الأدلة.
ومع ذلك بقيت بعض المنظمات تشكك في الرواية بسبب عدم وجود قبر معروف له.
الفصل الثاني عشر: الإرث المظلم
قصة أريبرت هايم تطرح سؤالًا مهمًا في التاريخ: كيف يمكن لشخص متعلم، طبيب يفترض أن ينقذ الأرواح، أن يتحول إلى رمز للرعب؟
الجواب يكمن في الظروف التاريخية والفكرية التي عاش فيها.
النازية لم تكن مجرد نظام سياسي، بل كانت أيديولوجية متطرفة حولت بعض البشر إلى أدوات للقتل والتجارب.
أطباء مثل هايم لم يروا ضحاياهم كبشر، بل كمواد للتجارب.
الخاتمة
قصة أريبرت هايم، أو طارق فريد حسين كما عرف في مصر، هي قصة إنسان عاش حياتين مختلفتين تمامًا.
الحياة الأولى: طبيب نازي ارتبط اسمه بجرائم مرعبة في معسكرات الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية.
والحياة الثانية: رجل هارب يعيش في الظل في مدينة بعيدة، يحاول إخفاء ماضيه حتى آخر لحظة.
ورغم أنه عاش سنوات طويلة بعيدًا عن العدالة، فإن اسمه بقي محفورًا في كتب التاريخ كمثال على الجرائم التي ارتكبت خلال تلك الحقبة المظلمة.
التاريخ لا ينسى.