الفصل الثانى لقاء تحت ضوء القمر

اثر ا لفتاة الغامضة
ظلّ يوسف واقفًا في مكانه لثوانٍ طويلة، يحدّق في الفراغ الذي كانت الفتاة تقف فيه منذ لحظات فقط. حاول أن يقنع نفسه أنه ربما لم ينتبه عندما ابتعدت، أو أنها دخلت خلف الأشجار القريبة… لكن الحقيقة كانت واضحة.
لم يكن هناك أحد.
شعر بقشعريرة خفيفة تسري في جسده.
“إزاي اختفت بالسرعة دي؟”
سمع صوت السائق مرة أخرى ينادي الركاب بلهجة مستعجلة. لم يكن أمامه وقت ليفكر أكثر. عاد إلى الحافلة بخطوات سريعة، لكنه ظل يلتفت خلفه كأنه يتوقع أن تظهر الفتاة مرة أخرى.
جلس في مكانه بجوار النافذة، وقلبه ما زال ينبض بسرعة.
طوال الطريق لم يستطع التوقف عن التفكير في كلماتها.
“كنت مستنياك.”
“لو كملت الطريق ده… حياتك كلها هتتغير.”
ضغط يوسف على الحقيبة السوداء الصغيرة التي كانت بجانبه. بداخلها كانت الرسالة القديمة التي تركها والده. أخرجها قليلًا ونظر إلى الورقة الصفراء التي بدأت أطرافها تتآكل مع الزمن.
قرأ الجملة مرة أخرى بصوت منخفض:
“لو أردت أن تعرف الحقيقة… اذهب إلى قرية جبلية.”
تنهد وهو يعيد الرسالة إلى الحقيبة.
“واضح إن الحقيقة دي مش هتبقى سهلة.”
مرت ساعة تقريبًا قبل أن تخف سرعة الحافلة أخيرًا.
رفع يوسف رأسه لينظر من النافذة.
بدأت تظهر بيوت صغيرة متناثرة بين الجبال، وأضواء خافتة تلمع في الظلام. كان المكان هادئًا بطريقة غريبة، كأن الزمن يتحرك فيه ببطء شديد.
وقف السائق وقال بصوت عالٍ:
“آخر محطة… قرية جبلية.”
نزل يوسف من الحافلة وهو ينظر حوله بحذر. الطريق كان ضيقًا، والهواء باردًا أكثر مما توقع. كانت القرية صغيرة جدًا، لا يتجاوز عدد بيوتها بضعة عشرات.
أخذ نفسًا عميقًا.
“يبقى دي هي.”
بدأ يمشي ببطء في الطريق الترابي. كانت بعض النوافذ مضاءة، لكن الشوارع شبه خالية.
فجأة لاحظ رجلًا مسنًا يجلس أمام دكان صغير.
اقترب يوسف منه وقال باحترام:
“مساء الخير يا عم.”
رفع الرجل رأسه ونظر إليه بعينين ضيقتين.
“مساء النور… شكلك غريب عن القرية.”
ابتسم يوسف قليلًا.
“أيوه… أنا جاي أدور على حد.”
تردد للحظة قبل أن يكمل:
“أنا بدور على الحقيقة.”
ظل الرجل ينظر إليه بصمت لثوانٍ.
ثم قال ببطء:
“الحقيقة؟”
ثم أضاف بصوت منخفض:
“لو جيت تدور عليها هنا… يبقى لازم تكون شجاع.”
عبس يوسف قليلًا.
“تقصد إيه؟”
لكن الرجل لم يجب مباشرة.
بدلًا من ذلك، نظر إلى الطريق خلف يوسف فجأة… وكأن شيئًا لفت انتباهه.
ثم قال بهدوء غريب:
“واضح إنها لسه بتراقبك.”
تجمد يوسف في مكانه.
“مين؟”
لكن الرجل لم يرد.
بل اكتفى بأن يشير بعينيه خلف يوسف.
استدار يوسف ببطء…
وعند طرف الطريق المظلم، تحت ضوء مصباح قديم…
كانت تقف نفس الفتاة مرة أخرى.
تنظر إليه بصمت.