عيون حائرة الفصل الثاني

عيون حائرة الفصل الثاني

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

الفصل الثاني: شيطان التفاصيل وحقيبة الأسرار

​لم يكن رحيل جاسم في الصباح التالي رحيلاً عادياً؛ فقد ترك خلفه ثقلاً في الهواء لا يمكن تفسيره، ورائحة قلق تزكم أنوف الجدران. بمجرد أن توارى طيف سيارته عند المنعطف، وجدت ليان نفسها وحيدة مع ذلك الصمت المطبق، ومع تلك "الحقيبة الجلدية" التي استقرت فوق المكتب الخشبي في غرفة القراءة، وكأنها كائن حي يراقب تحركاتها بعيون غير مرئية.

​كانت ليان تشعر بدوار خفيف، مزيج من قلة النوم وتزاحم الظنون. مشت نحو المكتب بخطوات مترددة، كل خطوة كانت تثقلها فكرة: "هل أنا أخون ثقته، أم أنني أنقذ نفسي من كذبة كبرى؟". عندما وصلت، مدت يدها المرتجفة لتلمس الجلد البارد للحقيبة. كانت سوداء، متآكلة الأطراف، تحمل رائحة غريبة تمزج بين تراب الغربة وعطر نسائي نفاذ لم تألفه من قبل.

​لحظة المكاشفة

​لم تكن الحقيبة مغلقة بقفل رقمي، بل بسحاب معدني بدا مستعصياً في البداية، وكأنه يقاوم كشف المستور. عندما انفتح أخيراً، لم تجد ليان بداخلها سبائك ذهب أو وثائق سرية كما صورت لها مخيلتها الثائرة، بل وجدت ما هو أقسى من ذلك: رزمة من الرسائل الورقية القديمة، وصورة باهتة الأطراف لامرأة تشبهها إلى حد يثير القشعريرة، لكنها كانت ترتدي ملابس تعود لحقبة زمنية ماضية.

​سقطت ليان على الكرسي المجاور، وأنفاسها تتسارع. قلبت الصورة، لتجد خلفها عبارة مكتوبة بخط يد جاسم، لكنه خط مهتز، محموم: "ليان ليست النهاية، إنها مجرد البداية لاستعادة ما ضاع منا". تجمدت الدماء في عروقها. هل كانت حياتها معه مجرد مسرحية؟ هل كان زواجه منها وسيلة لغاية لا تدركها؟ تلك العيون التي كانت تظن أنها غارقة في حبه، بدت لها الآن في خيالها مجرد أدوات في خطة مرسومة بدقة.

​الغوص في المجهول

​فتحت إحدى الرسائل، كانت مؤرخة قبل عشر سنوات، أي قبل معرفتها بجاسم بسبع سنين. كانت الكلمات تفيض بألم الفقد والوعود بالانتقام. اكتشفت ليان من بين السطور أن جاسم لم يكن يسافر من أجل التجارة كما يدعي، بل كان يقتفي أثر عائلة تسببت في دمار عائلته، وأن "ليان" لم تكن مجرد اسم، بل كانت مفتاحاً لثأر قديم يرتبط بوالدها الراحل الذي لم تعرف عنه الكثير سوى ذكريات باهتة.

​هنا، تحولت حيرة ليان من شك عاطفي إلى رعب وجودي. شعرت أن الجدران تضيق عليها، وأن الصور المعلقة في الردهة تلاحقها بنظراتها. كيف استطاع هذا الرجل أن ينام بجانبها كل ليلة وهو يحمل كل هذا السواد في قلبه؟ وكيف استطاعت هي، بذكائها المعهود، أن تغفل عن كل تلك الإشارات؟

​مواجهة الذات

​وقفت ليان وسط الغرفة، وقد تحولت حيرة عينيها إلى بريق من التحدي. لم تعد تلك الزوجة المكلومة التي تنتظر تفسيراً، بل أصبحت امرأة تطارد حقيقتها الضائعة. أدركت أن الحقيبة لم تكن تحتوي على أسرار جاسم فحسب، بل كانت مرآة تعكس جهلها بنفسها وبماضي عائلتها.

​بينما كانت تهم بإغلاق الحقيبة وإعادتها كما كانت، سقطت ورقة صغيرة مطوية بعناية من جيب جانبي مخفي. كانت تذكرة طيران لرحلة غداً، والمفاجأة لم تكن في الوجهة، بل في الاسم المكتوب عليها: "ليان جلال". لقد حجز لها تذكرة دون علمها، إلى وجهة لم تزرها قط، وكأنه يقرر مصيرها نيابة عنها، ممهداً الطريق لفصل جديد من اللعبة التي تسمى حياتها.

المحاور القادمة في الرواية:

​الفصل الثالث: رحلة اللاهوية. (سفر ليان إلى الوجهة المجهولة واكتشافها لمنزل والدها القديم).

​الفصل الرابع: خيوط العنكبوت. (لقاء ليان بالشخصية الغامضة التي ظهرت في الصور).

​الفصل الخامس: الستار المسدل. (المواجهة النهائية بين ليان وجاسم في مكان الحادثة القديمة).

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
مروان التوني تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

2

متابعهم

7

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.