عيون حائرة الفصل الثالث

عيون حائرة الفصل الثالث

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الفصل الثالث: تذكرة نحو الهاوية

​لم يكن الفجر قد بَزغ بعد حين كانت ليان تجلس على طرف سريرها، التذكرة الملعونة بين أصابعها المرتجفة كأنها جمرة تحرق جلدها. لم تكن الوجهة "باريس" أو "لندن" كما قد يحلم أي زوجين في رحلة استجمام، بل كانت بلدة حدودية منسية، مكانٌ لم تسمع به إلا في قصص والدتها الباهتة عن "أرض الأجداد التي ابتلعها النسيان".

​أدركت ليان أن بقاءها في هذا البيت لم يعد خياراً، وأن المواجهة الصامتة مع جاسم قد انتهت لتبدأ حرب العلن. نظرت إلى زوجها النائم في الغرفة المجاورة—أو هكذا خُيل لها—وشعرت بغربة لم تشعر بها من قبل. كيف يمكن لملامح هذا الوجه الذي طالما قبلته أن تتحول إلى قناع يخفي خلفه وحشاً من الذكريات؟

​الرحلة المستحيلة

​حزمت ليان حقيبة صغيرة، لم تأخذ معها سوى الضروريات، والحقيبة الجلدية السوداء التي سرقتها من مكتب جاسم. شعرت أن هذه الحقيبة هي درعها وسلاحها في آن واحد. تسللت من المنزل في غبش الفجر، متجهة نحو المطار، مدفوعة برغبة عارمة في استباق القدر الذي رسمه لها جاسم.

​في الطائرة، كانت الغيوم تحتها تبدو كبحر من القطن المتلاطم، لكن عقل ليان كان أكثر تلاطماً. فتحت إحدى الرسائل القديمة التي عثرت عليها، وبدأت تقرأ بتمعن: "إن الدم لا يغسله إلا الدم، وليان هي القنطرة التي سنعبر فوقها إلى حقنا الضائع". صرخت صرخة صامتة داخل صدرها. هل هي مجرد "قنطرة"؟ هل كان كل غرام جاسم، وكل كلمة حب همس بها في أذنها، مجرد طلاء يخفي صدأ الانتقام؟

​بلدة الرماد

​وصلت ليان إلى تلك البلدة الحدودية مع غروب الشمس. كانت البيوت قديمة، مبنية من حجر باهت، والشوارع ضيقة كأنها شرايين ضيقة لقلب عجوز. سألت عن العنوان الموجود في الأوراق، وهو "منزل عائلة جلال القديم". نظرات المارة كانت مريبة؛ عيون حائرة تشبه عينيها، تراقب الغريبة التي جاءت تنبش في قبور الماضي.

​عندما وصلت إلى المنزل، وجدته أطلالاً مسيجة بسياج حديدي صدئ. لكن في وسط هذا الخراب، كان هناك ضوء خافت ينبعث من نافذة وحيدة في الطابق السفلي. اقتربت ليان، قلبها يقرع طبول الحرب. دفعت الباب الخشبي الذي أنَّ من ألم السنين، لتجد نفسها في ردهة واسعة، تتوسطها طاولة خشبية وعليها صورة كبيرة لوالدها.. وبجانبه رجل يشبه جاسم تماماً، لكنه أكبر سناً.

​الزائر غير المنتظر

​"كنت أعلم أنكِ ستأتين قبل الموعد يا ليان،" جاء الصوت من خلفها، بارداً كشفرة حادة.

​التفتت ليان بسرعة، لتجد جاسم واقفاً هناك، لكنه لم يكن يرتدي بدلة العمل، بل كان يرتدي معطفاً طويلاً، وفي يده مفتاح قديم. لم يبدُ عليه المفاجأة، بل كان ينظر إليها بنظرة يمتزج فيها الحزن بالانتصار.

​"لماذا يا جاسم؟" صرخت ليان، والدموع تحرق عينيها لأول مرة. “لماذا اخترتني أنا لأكون وقوداً لثأرك؟ هل أحببتني يوماً، أم كنت تحب الشبه الذي أحمله لتلك المرأة في الصورة؟”

​اقترب جاسم منها، ومد يده ليمسح دمعة سقطت على وجنتها، لكن ليان تراجعت كمن أصابه مس كهربائي. قال بنبرة منكسرة: “ليان، الحقيقة ليست دائماً كما نراها. والدك لم يكن الضحية، بل كان الشريك. وهذا المنزل ليس مقبرة للماضي، بل هو المكان الذي ستبدأ فيه حياتنا الحقيقية.. بعيداً عن الكذب.”

​في تلك اللحظة، سمعت ليان صوت وقع أقدام أخرى في الطابق العلوي، وصوت امرأة تغني لحناً حزيناً عرفته ليان جيداً.. كان اللحن الذي كانت والدتها تغنيه لها قبل النوم. تجمدت ليان في مكانها، وأدركت أن الحيرة التي سكنت عينيها لسنوات لم تكن إلا البداية لكابوس أكبر، كابوس يجمع بين الأحياء والأموات في هذا البيت الملعون.

توقعات الفصل القادم:

​الفصل الرابع: الغرفة المغلقة. (ليان تكتشف هوية المرأة التي تغني وسر بقائها على قيد الحياة).

​الفصل الخامس: شمس الحقيقة. (المواجهة النهائية واختيار ليان بين الولاء لعائلتها أو لزوجها).

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
مروان التوني تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

2

متابعهم

7

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.