حسن طوبار: المليونير الذي بذل المال في سبيل الكرامة

حسن طوبار: المليونير الذي بذل المال في سبيل الكرامة
مقدمة
ماذا لو كنت تملك كل شيء؟ المال، السلطة، النفوذ، والاحترام… هل كنت ستخاطر بكل ذلك من أجل وطنك؟
في أواخر القرن الثامن عشر، حين دخلت جيوش نابليون بونابرت مصر، كان هناك رجل يستطيع أن ينجو بسهولة… لكنه اختار أن يقاتل.
لم يكن هذا الرجل جنديًا عاديًا… بل كان أغنى رجل في منطقته، وربما في مصر كلها.
إنه حسن طوبار الذي رفض أن يكون "ملكًا" تحت ظل المحتل، ليصبح "خالدًا" في وجدان وطنه.
حين يصبح الغنى قوة… لا رفاهية
على ضفاف بحيرة المنزلة، ووسط آلاف مراكب الصيد، نشأ حسن طوبار زعيمًا قبل أن يكون ثريًا. لم تكن ثروته مجرد أرقام، بل إمبراطورية حقيقية:
أسطول يضم أكثر من 500 مركب
مصانع نسيج
أراضٍ زراعية شاسعة
تجارة واسعة النفوذ
قدّر الفرنسيون ثروته بخمسة ملايين فرنك، وهو رقم مهول بمقاييس ذلك الزمن.
لكن الأهم من ذلك، أن طوبار لم يكن غنيًا فقط… بل كان بيته مفتوحًا للفقراء، وماله سندًا للمحتاجين، فصار زعيمًا شعبيًا قبل أن يكون شيخًا رسميًا.
هذا التناقض بين الثراء الفاحش والزهد الشخصي، خلق حالة من الحب الشعبي الجارف لشخصه،
وهو الحب الذي تحول إلى فدائية منقطعة النظير حين بدأت الحرب.
الاختبار الحقيقي: حين دخل الاحتلال
في أواخر القرن الثامن عشر، وتحديدًا في يوليو 1798،حطت أقدام الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت على أرض مصر.
جيشٌ عظيم، قوامه أكثر من 36 ألف جندي على متن 300 سفينة.
انهارت جيوش المماليك أمام هذا الغزو الكاسح، وسيطر الفرنسيون على معظم المحافظات و سقطت المدن بسرعة،…
لكن المنزلة كانت قصة مختلفة...كانت بقعةٌ عصية على الاحتلال
وصلت الأخبار إلى نابليون عن “ملك في الشمال” من الدلتا, يملك المال والرجال والولاء.
فكان حسن طوبار، وكان أمام خيارين:
أن يحافظ على ثروته ويخضع
أو أن يخسر كل شيء ويقاوم
و بينما يسارع البعض لرمي أنفسهم تحت أقدام أي سلطة للحفاظ على أموالهم ومصالحهم،
اختار طوبار طريقًا آخر ..اختار الطريق الأصعب.
وكان بونابرت يدرك أن إخضاع إقليم المنزلة ودمياط هو الضمان الوحيد لتأمين الحدود الشرقية ضد الجيش العثماني القادم من الشام.
حين تتحول المراكب إلى أسطول حربي
لم يكن لدى طوبار جيش نظامي… لكنه كان يملك ما هو أخطر: الناس.
حوّل مراكب الصيد إلى أسطول حربي، وجنّد الصيادين والفلاحين، وجعل من بحيرة المنزلة ساحة مقاومة شرسة.
قاد بنفسه حملات تحريض وتنظيم، متنقلًا بين القرى، يشعل روح الثورة.
تحرك الأسطول الفرنسي بقيادة القائد دماس… وعندما وصلت الحملة إلى مدينة الجمالية بالدقهلية،
علقت السفن بسبب قلة المياه. انتهز أهالي الجمالية بقيادة طوبار الفرصة وهاجموا الجيش الفرنسي بالحجارة ومشاعل النار،
في معركة ضارية أسفرت عن مقتل حوالي 500 شخص من الأهالي و20 فرنسياً و انسحب الفرنسيون،
لم تكن معاركه مجرد مواجهات عسكرية،
بل كانت انتفاضة شعبية كاملة.
رفض الإغراء… وكسر هيبة الاحتلال
حاول الفرنسيون إخضاعه بطرق مختلفة، منها الترهيب… ثم الترغيب.
أرسلوا له هدية: سيف من الذهب.
لكن رد حسن طوبار كان حاسمًا,
وقال جملته الشهيرة: "لا بريق المال يغرينا، ولا عزيز القوم يدانينا، ولا جميل القوم يثنينا".
لم يقابلهم… ولم يقبل الهدية.
بهذا الموقف، لم يرفض مجرد هدية، بل رفض فكرة أن يُشترى.
وأدرك نابليون أن هذا الرجل ليس خصمًا عاديً
معارك لا تُنسى
لم يستسلم طوبار، و زاد من تحفيز الناس للمقاومة. نظم هجومًا مشتركًا على الحامية الفرنسية بدمياط لتحريرها،
بمساعدة أهالي القرى في دمياط وبعض من قوات إبراهيم بك التي عادت من الشام.
ورغم عدم تكافؤ الأسلحة و ضعف التسليح، صمدت قوات طوبار بشراسة.
ظلت المعركة مشتعلة، وتقهقر الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال فيال …...
فاضطر النابليون أن يبعث تعزيزات أخرى بقيادة الجنرال أندرو يوسي لمساعدة فيال بعد أن كادوا يُهزمون.
ولكن ما لبث ان هاجمت قوات حسن طوبار.. السفن الفرنسية.. وحرقتها
اغتاظ الفرنسويين واخذوا يحرقون أي قرية ..في طريقهم أثناء تقهقرهم..وينكّلوا بأهلها
كانت المقاومة عنيفة لدرجة أن الفرنسيين فقدوا في تلك المنطقة خلال شهور.. ما فقدوه في مناطق أخرى خلال سنوات
طلب فيال القائد الفرنسي هدنة… لكن طوبار رفض
واضطر الفرنسيون للانسحاب من دمياط الى ابي قير بالأسكندرية
ملحمة كبرى ..و…انسحاب تكتيكي
جن جنون نابليون في القاهرة من ثورة أهالي المنزلة.…
يقول عبد الرحمن الرافعى نقلا عن الجبرتى : "وجد نابليون انه لابد من اخضاع هذا الزعيم بالحرب و انه لن يكون له سلطان على هذه المنطقة الا بالقضاء عليه)
وأمر بونابرت بتجهيز حملتين كبيرتين … واحدة برية ….والتانية بحرية بقيادة الجنرال دوجيه الى المنزلة ليقضوا نهائياً على حسن طوبار
جهزطوبار المراكب من ماله الخاص في بحيرة المنزله و سخر ثروته كلها للنضال ضد الفرنسيس
وبدأت معركة كبيرة ومقاومة باسلة…
تطايرت فيها أجساد المجاهدين بفعل المدافع الفتاكة في البر و من البوارج الفرنسية في البحر, لتسقط جثثا هامدة
واختلطت مياه البحيرة بدماء الشهداء الطاهرة لتكتب بسطور من نور ملحمة الدفاع عن العرض و الوطن.
فقد طوبار الكثير من معاونيه.. أمام عينيه ,
وتحطمت معظم المراكب وغرقت بمن فيها امام الاسطول الفرنسي الكبير
قدر الفرنسيون أن يصلوا الى المنزلة ويدخلوها…. فوجدوا المنازل خالية إلا مجموعة من النساء العجائز والشيوخ الكبار
اضطر طوبار للانسحاب مع من تبقى من الرجال إلى غزة….. واستولي الفرنسيون على دمياط وما حولها.
لكن هذا الانسحاب لم يكن هروبًا… بل إعادة ترتيب.
وهناك سعى طوبار الى بناء جيشً وأسطول جديد لكي يبحر على دمياط ويقاوم الفرنسيين مرة اخرى.
ولكن لم تكتمل حملتة …
وساهم وصول الجيش الفرنسي إلى غزة في طريقه إلى يافا و انتشار وباء الطاعون بالشام في تعطيل مسعاه.
ولم يمهله القدر…… و أصابه الاعياء والمرض...وهو بعيد عن اهله وبلده ...
وأحس بدنو أجله
الخوف من رجل واحد
وعندما طلب العودة إلى مصر،
بلغ خوف الفرنسيين منه حدًا غير مسبوق.
لم يمنعه نابليون من دخول البلاد و أمر باحضار إبن طوبار الاصغر من المنزلة للقاهرة كرهينة
لكي يؤمن أي هجوم على دمياط ولضمان عدم تحريضه على الثورة.
اما الاب حسن طوبار فأقام بدمياط ، تحت الحراسة المشددة
و لما تولى القائد كليبر قيادة الحملة بعد مغادرة نابليون مصر, شدد كليبر على طوبار وأمر بمراقبته ليلًا ونهارًا.
ظل الفرنسيون يخشونه ...حتى وهو بعيد،…حتى وهو مريض.
رجل واحد… أقلق جيشًا كاملًا.
النهاية… وبداية الخلود
لم يمكث طوبار طويلًا بعد عودته إلى مصر
و تحت الاقامة الجبرية , مات طوبار فى 29 نوفمبر 1800 ولم تقر عينه بجلاء الفرنسيس عن مصر.
وذكرت الصحف الفرنسية خبر وفاته، و اعترفوا بقيمته مشيرة إلى مكانته وخطورته.
وذكره المؤرخ نيكولا الترك ( المعروف عن كتاباته بتمجيد الحمله الفرنسيه على مصر) و قال اشتهر هذا الشيخ بخبث النيه ضد الفرنساويه
لكن الحقيقة أن موته لم يكن النهاية…
فأثره وسيرته ظلت حيًة في قلوب المصريين… واستمرت المقاومة من بعده في ربوع مصر كلها حتى رحيل الفرنسيس عن مصر .
.بعد أن قضَوْا فيها نحو ثلاثة أعوام ...في18 سبتمبر سنة1801م (بعد اقل من عام من وفاة طوبار)
الإرث الضائع
رغم كل هذا التاريخ، تعرض قصره في المنزلة للإهمال، وضريحه للتجاهل.
تحولت بعض معالمه إلى أطلال… وكأن الزمن حاول أن يمحو قصة بطل.
لكن القصص العظيمة لا تموت.


الخاتمة: لماذا نحتاج قصة حسن طوبار اليوم؟
لأنها تذكرنا بحقيقة بسيطة:
ليس كل غني فاسد…
وليس كل صاحب نفوذ خاضع…
هناك من يستخدم المال ليصنع المجد، لا ليشتري الصمت.
حسن طوبار لم يكن مجرد مليونير…
بل كان ..عزة نفس ..تمشي على قدمين.