إديسون الشرق الذي طواه النسيان: قصة العبقري اللبناني حسن كامل الصباح

إديسون الشرق الذي طواه النسيان: قصة العبقري اللبناني حسن كامل الصباح

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

​إديسون الشرق الذي طواه النسيان: قصة العبقري اللبناني حسن كامل الصباح

بقلم: ماريا جُبران

image about إديسون الشرق الذي طواه النسيان: قصة العبقري اللبناني حسن كامل الصباح

​مقدمة: العبقرية المنبتة من رحم المعاناة

​تزخر الذاكرة العربية واللبنانية بأسماء قامات علمية فذة غيرت مجرى التاريخ الإنساني باختراعاتها، غير أن صفحات التاريخ نفسه تكشف عن جانب مظلم يتعلق بكيفية التعامل مع هؤلاء المبدعين. ومن أبرز هؤلاء العلماء الذين واجهوا ظلماً معنوياً ومادياً كبيراً من قِبل السلطات والحكومات المتعاقبة، يبرز اسم العالم اللبناني حسن كامل الصباح. هذا العبقري الذي لقب بـ "إديسون الشرق" نظير إسهاماته التي لا تحصى في علوم الكهرباء والفضاء، عاش حياة قاسية ملؤها الفقر والغربة، وانتهت برحيل غامض ترك خلفه غصة في قلوب العارفين بقيمته.

​النشأة والشغف العلمي المبكر

​ولد حسن كامل الصباح في بلدة النبطية بجنوب لبنان عام 1894، ونشأ في أسرة تعشق العلم والأدب بالرغم من ضيق ذات اليد. منذ طفولته، ظهرت عليه علامات الذكاء الحاد والشغف غير الطبيعي بالرياضيات والفيزياء، حيث كان يفكك الألعاب والأجهزة البسيطة ليعيد تركيبها بفهم أعمق. درس في المدرسة السلطانية في بيروت ثم في الجامعة الأمريكية، وتميز بقدرته الفائقة على استيعاب النظريات العلمية المعقدة وتطويرها، مما جعله محط أنظار أساتذته الذين تنبأوا له بمستقبل باهر لو أتيحت له الرعاية المناسبة.

​الهجرة إلى أمريكا ومرحلة الاختراعات العظمى

​بسبب غياب الدعم الحكومي في لبنان وانعدام البيئة الحاضنة للبحث العلمي، اضطر الصباح للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عشرينيات القرن الماضي للبحث عن فرصة تليق بعبقريته. انضم هناك إلى شركة "جنرال إلكتريك" العالمية، وهناك تفجرت طاقاته الإبداعية حيث سجل باسمه أكثر من 52 اختراعاً في مجالات الهندسة الكهربائية والتلفزة والطاقة الشمسية. ويُعزى إليه الفضل الأول في تطوير جهاز "المرسل التلفزيوني" وتطوير أنابيب تفريغ الهواء التي ركّبت عليها أنظمة الرادارات الحديثة، ليصبح واحداً من أهم علماء القرن العشرين.

​التجاهل الحكومي والعيش في فقر الغربة

​على الرغم من الملايين التي جنتها الشركات الأمريكية من وراء اختراعاته، وعلى الرغم من الشهرة العلمية التي نالها في الأوساط الأكاديمية الغربية، عانى الصباح من ضائقة مالية مستمرة وفقر شديد. فبموجب القوانين المجحفة آنذاك، كانت براءات الاختراع تسجل باسم الشركة التي يعمل بها مقابل راتب شهري زهيد لا يكاد يكفي متطلبات معيشته وأبحاثه الخاصة. وفي المقابل، أدارت الحكومة اللبنانية ظهرها تماماً لهذا العبقري؛ فلم تلتفت لرسائله أو لطروحاته لتأسيس مختبر علمي في وطنه الأم، وتجاهلت طلباته المتكررة للدعم، مفضلةً عدم الاستثمار في عقل تفوق على علماء عصره.

​النهاية الغامضة والرحيل المفجع

​لم تقتصر معاناة الصباح على الفقر والخذلان الحكومي فحسب، بل امتدت لتشمل نهاية مأساوية غامضة ومفجعة في عام 1935. فبينما كان يستعد للعودة إلى وطنه لتقديم مشروع ضخم لاستغلال الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط، تعرض لحادث سير غامض في مدينة بوفالو الأمريكية أودى بحياته عن عمر ناهز 41 عاماً. وحتى يومنا هذا، تحوم الشكوك والشبهات حول هذا الحادث، حيث يرى الكثير من المؤرخين والباحثين أنه تعرض لعملية اغتيال مدبرة لمنعه من نقل أسرار الطاقة والتكنولوجيا الحديثة إلى العالم العربي.

​خاتمة: درس من التاريخ للمستقبل

​في الختام، تظل قصة حسن كامل الصباح شاهداً حياً على مأساة هجرة العقول العربية، وصورة واضحة للظلم الذي يلحق بالعلماء عندما تغيب الرؤية الوطنية والتقدير الحكومي. إن النسيان والفقر اللذين عانى منهما إديسون الشرق هما دافع اليوم لكي تعيد المؤسسات والحكومات النظر في كيفية رعاية المبدعين ودعمهم، حتى لا تتكرر مأساة عالم قدم للبشرية النور، وعاش هو في ظلام التجاهل والنسيان والتهميش.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
ماريا جبران تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

7

متابعهم

3

مقالات مشابة
-