حين يلتقي القلب بما خُلق له

حين يلتقي القلب بما خُلق له

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

حين يلتقي القلب بما خُلق له

 

image about حين يلتقي القلب بما خُلق له

 

 

في مساءٍ هادئٍ من شتاءٍ طويل، كانت "ليلى" تجلس قرب نافذتها، تراقب قطرات المطر وهي تنساب على الزجاج، وكأنها تحاول أن تغسل شيئًا عالقًا في روحها. لم تكن تؤمن كثيرًا بالحب، ليس لأنها لم تختبره، بل لأنها اختبرته بعمقٍ كافٍ ليؤلمها.

على الجانب الآخر من المدينة، كان "آدم" يسير بلا وجهة، يحمل في قلبه فراغًا لم يستطع شيء أن يملأه. فقد والده قبل عام، ومنذ ذلك الحين، أصبح كل شيء يبدو ناقصًا… حتى نفسه.

كان اللقاء الأول بينهما صدفة، أو هكذا ظنّا. في مكتبة صغيرة، حيث كانت ليلى تبحث عن كتاب قديم، بينما كان آدم يحاول الهروب من ضجيج العالم. اصطدمت يداهما فوق نفس الكتاب، فتبادلا نظرة قصيرة، لكنها كانت كافية لتترك أثرًا لا يُمحى.

"تفضلي"، قالها آدم بابتسامة خفيفة.

"لا، خذه أنت… يبدو أنك تحتاجه أكثر"، ردّت ليلى، دون أن تعرف لماذا قالت ذلك.

تكرر اللقاء، مرة بعد أخرى، وكأن الحياة تُصرّ على جمعهما. حديثٌ بسيط تحول إلى نقاشات طويلة، وضحكات خجولة تحولت إلى لحظات صمتٍ مريحة. كان كلٌ منهما يجد في الآخر شيئًا لم يجده من قبل… طمأنينة غريبة، كأن القلب يقول: "أخيرًا."

لكن الحب لم يكن سهلًا. كانت ليلى تخاف أن تخسر مرة أخرى، وآدم كان يخشى أن يتعلق بشيء قد يُسلب منه فجأة. فقررا أن يضعا حدودًا… لكن القلوب لا تفهم القوانين.

في ليلةٍ باردة، انقطعت الكهرباء عن المدينة، فجلسا معًا في ضوء الشموع. كان الصمت يملأ المكان، حتى قال آدم:

"هل تؤمنين أن بعض الناس خُلقوا لبعضهم؟"

ترددت ليلى، ثم قالت بصوتٍ خافت: "كنت أؤمن… ثم توقفت."

نظر إليها طويلًا، وقال: "وأنا بدأت أؤمن الآن."

تلك الليلة كانت نقطة التحول. لم يعترفا صراحةً، لكن كل شيء بينهما تغيّر. أصبح الغياب مؤلمًا، واللقاء ضرورة، والنظرة رسالة لا تحتاج كلمات.

لكن القدر كان يخبئ اختبارًا قاسيًا.

اضطر آدم للسفر خارج البلاد بسبب عملٍ مفاجئ، ولم يكن بوسعه الرفض. وعدها أنه سيعود، ووعدته أنها ستنتظر… لكن المسافات ليست فقط في الكيلومترات، بل في الخوف، والشك، والحنين.

مرت الشهور بطيئة، ثقيلة. الرسائل قلت، والمكالمات أصبحت قصيرة. بدأت ليلى تشعر أنه يبتعد، بينما كان آدم يقاتل ظروفًا لا يستطيع شرحها.

وفي يومٍ ما، قررت ليلى أن تتوقف عن الانتظار… ليس لأنها لم تعد تحبه، بل لأنها لم تعد تحتمل الغموض.

كتبت له رسالة طويلة، أخبرته فيها بكل شيء، ثم أغلقت الصفحة.

لم يرد.

مر أسبوع… ثم شهر.

حتى جاء اليوم الذي عاد فيه آدم.

وقف أمام بابها، يحمل نفس الكتاب الذي جمعهما أول مرة. كان يبدو مرهقًا، لكنه مصمم.

عندما فتحت الباب، لم تستطع الكلام.

قال بصوتٍ مكسور: "تأخرت… لكني لم أبتعد."

سقطت دموعها دون استئذان.

"كنت أقاتل لأعود لكِ… ليس فقط بالمسافة، بل بنفسي."

اقترب خطوة، وأضاف: "أنا لا أريد حياةً بدونك… حتى لو كانت أسهل."

صمتت للحظة، ثم قالت: "وأنا لم أتوقف عن حبك… فقط خفت أن أكون وحدي في هذا."

ابتسم، وقال: "لن تكوني وحدك بعد الآن."

في تلك اللحظة، لم يكن هناك ماضٍ يؤلم، ولا مستقبل يُخيف… فقط قلبان وجدا أخيرًا ما خُلقا له.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
sasa ibrahim تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

32

مقالات مشابة
-