كنا نريد الحلال لكن القدر سبقنا

كنا نريد الحلال لكن القدر سبقنا

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about كنا نريد الحلال لكن القدر سبقنا

 

(كنا نريد الحلال لكن القدر )

 

 

في زمنٍ أصبحت فيه العلاقات سريعة، والكلمات سهلة، والمشاعر تُقال بلا معنى، كان هناك نوع آخر من الحب…

حب لا يبدأ بخيانة، ولا ينمو في الحرام، ولا يقوم على التسلية وكسر القلوب.

حب صادق، نظيف، خائف من الله… لكنه للأسف، لم ينجُ من قسوة الحياة.

كان اسمها **مريم**.

بنت بسيطة جدًا، لا تُشبه فتيات الضجيج، ولا تعرف كيف تتصنّع المشاعر.

كانت من النوع الذي يُحب بصمت، ويحزن بصمت، وينكسر بصمت أيضًا.

ملامحها هادئة، وكلامها قليل، وقلبها… كان أرقّ مما يبدو على وجهها بكثير.

أما **يوسف**، فكان شابًا عاديًا جدًا في نظر الناس، لكنه في عينها كان مختلفًا عن الجميع.

لم يكن غنيًا، ولا صاحب نفوذ، ولا يملك تلك الحياة “المبهرة” التي يتسابق عليها الشباب اليوم.

لكنه كان يملك شيئًا نادرًا جدًا…

**النية الطيبة.**

تعرفا في إطار محترم جدًا، لا خلوة فيه ولا ابتذال ولا لعب بالمشاعر.

في البداية، لم يكن هناك شيء يُسمى حب.

فقط ارتياح غريب، واحترام متبادل، وشعور هادئ بأن هذا الشخص “ليس عابرًا”.

كانت مريم تشعر براحة غريبة كلما تحدثت معه.

لم يكن مثل غيره من الشباب الذين يحاولون إبهار الفتاة بكلمات محفوظة ووعود كبيرة.

كان بسيطًا جدًا، صادقًا جدًا، وخائفًا جدًا من أن يظلم قلبًا لا يملكه.

وفي يوم، قال لها بكل وضوح:

"أنا لا أريد أن أُعلّقك بي في شيء يغضب ربنا…

إن كان فينا خير لبعض، أسأل الله أن يجمعنا بالحلال."

تلك الجملة وحدها كانت كافية لتجعل قلبها يرتجف.

لأول مرة، شعرت مريم أن هناك من ينظر إليها كـ **أمانة**، لا كوسيلة تسلية.

لأول مرة، أحبت وهي مطمئنة…

لا لأنها ضمنت النهاية، بل لأنها أحبت شخصًا يُخاف منه على القلب، لا يُخاف منه.

بدأت المشاعر تكبر بهدوء.

لا لقاءات كثيرة، ولا وعود وردية، ولا أحلام مبالغ فيها.

فقط دعاء، وانتظار، وتعلّق نقيّ لا يعرف كيف يفسد.

كان يوسف يسألها دائمًا عن صلاتها قبل أن يسألها عن يومها.

وكانت هي تدعو له في سجودها أكثر مما تتحدث معه.

لم تكن علاقتهما مثالية، لكنها كانت شريفة…

وكان ذلك كافيًا ليجعلها عظيمة في نظرهما.

مرت الشهور، وكبر الحلم في قلب يوسف.

كان يريد أن يتقدم لها، لكنه كان يصارع الحياة بكل ما فيها من قسوة.

راتبه ضعيف، مسؤولياته كثيرة، وأهله يعتمدون عليه في أشياء أكبر من سنّه بكثير.

كان يحاول أن يبدو قويًا، لكنه في داخله كان يخاف كل يوم من الشيء نفسه:

**أن يخسرها لأنه فقير فقط.**

أما مريم، فكانت ترى تعبه حتى حين لا يتكلم.

كانت تفهم من طريقته في الكتابة متى يكون مرهقًا، ومتى يكون مهمومًا، ومتى يحاول أن يبتسم فقط حتى لا يُحزنها.

وكان هذا أكثر ما أتعبها…

أنها أحبّت إنسانًا لا يملك رفاهية الانهيار.

في إحدى الليالي، قال لها يوسف:

"أنا أخاف أن أظلمك معي…

أخاف أن تنتظريني كثيرًا، ثم لا أستطيع أن أصل إليك."

ظلت مريم صامتة للحظات، ثم كتبت له:

"أنا لا أخاف من الفقر يا يوسف…

أنا أخاف فقط من أن نضيع ونحن نحاول أن نصل لبعض."

قرأ رسالتها، وبكى.

نعم، بكى فعلًا.

ليس ضعفًا، بل لأن بعض الكلمات حين تخرج من قلب صادق، تكسر أكثر الرجال صلابة.

ومع ذلك، لم يكن الحب وحده كافيًا.

مرت الأيام، وبدأت الضغوط تكبر من كل اتجاه.

أهل مريم بدأوا يلمّحون للزواج.

العمر يمر، والخطّاب يأتون ويذهبون، والمجتمع لا يرحم فتاة تقول: "أنتظر".

أما يوسف، فكان يقف في منتصف الطريق…

لا هو قادر أن يطرق الباب، ولا هو قادر أن ينسحب من قلبها.

ثم جاءت اللحظة التي خافا منها طويلًا.

تقدّم لمريم شخص مناسب جدًا في نظر أهلها.

مقتدر ماديًا، معروف، وجاهز لكل شيء.

لم يكن سيئًا، ولم يكن ظالمًا، لكنه ببساطة…

**لم يكن يوسف.**

في تلك الليلة، لم تنم مريم.

جلست تبكي بصمت حتى أذان الفجر.

صلّت، ودعت الله كثيرًا، ثم فتحت هاتفها وكتبت له الرسالة الأصعب في حياتها:

"يوسف…

أقسم بالله ما تمنيت في الدنيا أحدًا مثلك.

لكنني تعبت…

تعبت من الانتظار، من الخوف، من فكرة أنني قد أخسرك كل يوم دون أن أملك حق التمسك بك أمام أحد.

أنا لا ألومك… والله لا ألومك.

لكنني موجوعة جدًا."

قرأ يوسف الرسالة أكثر من عشر مرات.

كان يحدق في الشاشة وكأن الكلمات سكاكين حقيقية.

أراد أن يصرخ، أن يمنعها، أن يقول لها "استنيني حتى لو ضاع عمري كله"،

لكنه لم يفعل.

لأنه كان يحبها…

والحب الحقيقي أحيانًا لا يتمسك، بل يتألم في صمت حتى لا يظلم من يحب.

رد عليها بعد وقت طويل:

"أنا آسف يا مريم…

آسف لأنني أحببتك في وقت لم أكن أملك فيه إلا قلبي.

وآسف لأن قلبي وحده لم يكن كافيًا ليحميك."

حين قرأت الرسالة، شعرت أن شيئًا داخلها انكسر إلى الأبد.

لم يكن بينهما شجار، ولا خيانة، ولا قسوة متعمدة.

وهذا ما جعل الوجع أشد.

لأن أصعب الفراق ليس الذي يحدث بسبب الكراهية…

بل الذي يحدث رغم الحب.

مرت أيام قليلة، وتمت الخطبة.

في الخارج، كانت مريم هادئة.

ترتدي ما يُطلب منها، تجلس حيث يُطلب منها، تبتسم حين يُطلب منها.

لكن في الداخل، كانت تموت ببطء.

أما يوسف، فاختفى.

ليس لأنه نسي، بل لأنه لم يعد يعرف كيف يعيش شيئًا يشبه الحياة بعدها.

أغلق كل شيء، وابتعد عن الجميع، وصار أكثر صمتًا من قبل.

حتى الدعاء… صار يخرج منه مكسورًا.

كان يقف طويلًا بعد الصلاة، لا يطلبها هذه المرة، بل يطلب فقط أن يُربط على قلبه.

كان يقول في سجوده:

“يا رب… إن كانت ليست لي، فخذ حبها من قلبي برحمتك، لا بقسوة الأيام.”

لكن بعض الدعوات لا تُجاب بسرعة،

وبعض الأحزان لا يخففها الوقت بسهولة،

وبعض الأشخاص… يظلون في القلب حتى بعد الرحيل.

مرت الشهور، وتغيّر كل شيء…

إلا تلك المساحة التي تركها كل واحد منهما في روح الآخر.

مريم لم تكره يوسف يومًا، ويوسف لم ينسَ مريم يومًا.

لكن كليهما تعلّم الدرس الأقسى:

أن **الحب الطاهر لا يعني دائمًا النهاية السعيدة**،

وأن النية الصادقة وحدها لا تهزم كل الظروف،

وأن هناك قلوبًا تُحب بعضها جدًا…

لكنها لا تُكتب لبعض.

وفي آخر مرة سمعت فيها مريم صوته، قال لها بهدوء يشبه الاستسلام:

"أنا لا أحمل في قلبي لكِ إلا الدعاء…

أسأل الله أن يرزقك سكينة تعوضك عن كل وجع عرفته معي."

بكت كثيرًا بعد تلك المكالمة.

ليس لأنها فقدته فقط،

بل لأنها أدركت أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا ليبقوا…

بل ليربّوا فينا شيئًا لا يعود كما كان أبدًا.

وهكذا انتهت حكايتهما،

لا بخيانة،

ولا بملل،

ولا بكراهية…

بل انتهت لأن الدنيا أحيانًا لا تعطي الطيبين ما تمنّوه في الوقت الذي تمنّوه.

وربما لهذا السبب تبقى بعض **قصص الحب الحزينة** حيّة في قلوبنا أكثر من القصص السعيدة…

لأنها تشبهنا،

وتشبه دعواتنا المؤجلة،

وتشبه الأشياء التي تمنّيناها بالحلال…

ثم أخذها القدر قبل أن تكتمل.

**فبعض الحب…

لا ينتهي من القلب،

حتى لو انتهى من الحياة.**

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Abo Malak تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-