حين التقينا على حافة الغياب
حين التقينا على حافة الغياب
لم تكن "ليلى" تؤمن بالحب كما تصفه الروايات، كانت تراه مجرد وهمٍ جميل يختفي عند أول اختبار حقيقي. كانت تقول دائمًا إن الحياة أقسى من أن تسمح لقلبٍ أن يحلم طويلًا، وإن الأحلام الكبيرة تُخلق فقط لتنكسر. لكن كل هذه القناعات بدأت تتلاشى في اليوم الذي التقت فيه بـ"عمر".
كان اللقاء عاديًا جدًا، في مكتبة صغيرة تختبئ بين الأزقة القديمة. كانت ليلى تبحث عن كتابٍ نادر، بينما كان عمر يقف في الزاوية ذاتها يحمل نسخة منه. التقت أعينهما صدفة، وابتسم كلاهما بتردد. عرض عمر عليها الكتاب دون أن يعرف لماذا شعر برغبةٍ مفاجئة لمساعدتها. رفضت في البداية، لكنها وافقت لاحقًا بعد إصراره اللطيف.
جلسا معًا يتصفحان الكتاب، ودار بينهما حديثٌ بدأ بسيطًا عن الأدب، ثم تحول إلى حديثٍ أعمق عن الحياة، الأحلام، والخوف من الفقد. كانت ليلى مندهشة من نفسها؛ فهي لم تعتد أن تفتح قلبها لشخصٍ غريب بهذه السرعة، أما عمر فكان يشعر وكأنه يعرفها منذ زمنٍ بعيد.
تكرر اللقاء، مرة بعد مرة، حتى أصبح جزءًا من يومهما. كانا يلتقيان في نفس المكتبة، أو يتمشيان في الشوارع القديمة، يتبادلان الحكايات والضحكات. ومع مرور الوقت، بدأت ليلى تدرك أن قلبها بدأ يتغير، وأنها لم تعد تلك الفتاة التي تخشى الحب.
لكن الحياة، كما توقعت ليلى دائمًا، لم تكن لتترك هذه القصة تسير بسلاسة.
في أحد الأيام، جاء عمر متأخرًا عن موعدهما، وملامحه تحمل ثقلًا لم تعهده من قبل. جلس بصمت للحظات، ثم أخبرها أنه حصل على فرصة عمل خارج البلاد، فرصة لا يمكن رفضها، لكنها تعني الرحيل قريبًا.
شعرت ليلى وكأن الأرض انزلقت من تحت قدميها. لم تكن مستعدة لهذا الخبر، ولم تكن مستعدة للاعتراف بأنها أصبحت تحب هذا الرجل. حاولت أن تبقى قوية، أن تتظاهر بأن الأمر عادي، لكنها فشلت. كانت عيناها تفضحان كل ما حاولت إخفاءه.
قال لها عمر بهدوء: “لم أخطط لأن أحبك، لكنك حدثتِ لي، ولا أستطيع تجاهل هذا الشعور. لا أطلب منك الانتظار، فقط أريدك أن تعرفي الحقيقة.”
لم تجب ليلى فورًا. كانت تحارب داخلها خوفها القديم من الفقد، ذلك الصوت الذي يخبرها أن الحب سينتهي بالألم. لكنها في تلك اللحظة أدركت أن الألم سيأتي سواء أحبت أم لم تحب، وأن الفرق الوحيد هو أن الحب يمنح الألم معنى.
ابتسمت له بحزن وقالت: “أنا خائفة، لكنني لا أريد أن أهرب هذه المرة.”
مرّت الأيام بسرعة، واقترب موعد سفر عمر. كانت لقاءاتهما مليئة بالمشاعر المختلطة؛ الفرح بوجودهما معًا، والحزن لقرب الفراق. كتبا رسائل لبعضهما، وكأنهما يحاولان تخزين مشاعرهما في كلماتٍ تبقى بعد الرحيل.
في يوم السفر، وقفت ليلى في المطار تودعه. لم تبكِ كما توقعت، بل كانت هادئة بشكلٍ غريب. نظرت إليه طويلًا وقالت: “لا تعدني بشيء، فقط لا تنسَ ما كنا عليه.”
ابتسم عمر وأجاب: “لن أنسى، حتى لو حاولت.”
رحل عمر، وبقيت ليلى تواجه المدينة وحدها. أصبحت الأماكن التي جمعتهما تحمل طعمًا مختلفًا، وكأنها تذكّرها به في كل زاوية. حاولت الانشغال بحياتها، بعملها، بأصدقائها، لكنها كانت تشعر دائمًا بفراغٍ لا يملؤه شيء.
في البداية، كانا يتواصلان يوميًا، يتحدثان لساعات، يشاركان تفاصيل حياتهما. لكن مع مرور الوقت، بدأت المسافات تفعل فعلها. أصبح الاتصال أقل، والرسائل أقصر، والانشغال أكبر.
بدأ الشك يتسلل إلى قلب ليلى، ذلك الشك الذي كانت تخشاه دائمًا. هل كان الحب كافيًا؟ أم أن الواقع أقوى منه؟
وفي ليلةٍ هادئة، قررت ليلى أن تكتب رسالة طويلة لعمر، تخبره فيها بكل ما تشعر به؛ خوفها، اشتياقها، وتعبها من الانتظار. لم تكن رسالة عتاب، بل كانت اعترافًا صادقًا بأنها لم تعد قادرة على التظاهر بالقوة.
أرسلت الرسالة، وانتظرت.
مر يوم، يومان، أسبوع… دون رد.
كان الصمت أشد قسوة من أي إجابة. حاولت الاتصال به، لكنه لم يجب. بدأت الأفكار السوداء تملأ رأسها، وتأكدت مخاوفها القديمة: الحب ينتهي دائمًا بالخذلان.
مرت شهور، وليلى تحاول التعايش مع غيابه. أقنعت نفسها أنه اختار الرحيل، وأن عليها أن تفعل الشيء نفسه. بدأت تعود تدريجيًا إلى حياتها، لكنها لم تعد كما كانت.
وفي أحد الأيام، بينما كانت في نفس المكتبة التي شهدت لقائهما الأول، سمعت صوتًا مألوفًا ينادي اسمها.
التفتت ببطء، وقلبها يخفق بعنف.
كان عمر.
لكن ملامحه كانت مختلفة، شاحبة، متعبة. اقترب منها بخطوات مترددة، وكأن المسافة بينهما أصبحت أطول من مجرد خطوات.
قال بصوتٍ منخفض: “أعرف أنني تأخرت كثيرًا.”
لم تستطع ليلى الكلام. كانت بين رغبتها في احتضانه، ورغبتها في الهروب.
أكمل عمر: “تعرضت لحادث بعد وصولي بفترة قصيرة. بقيت في المستشفى لأسابيع، وفقدت هاتفي وكل وسيلة للتواصل. حاولت الوصول إليك لاحقًا، لكنني لم أعرف كيف… حتى عدت بنفسي.”
كانت الكلمات ثقيلة، لكنها حملت تفسيرًا لم تتوقعه ليلى.
شعرت بموجة من المشاعر تجتاحها؛ الغضب، الحزن، الراحة، والحنين.
سألته بصوتٍ مرتجف: “ولماذا عدت؟”
نظر إليها طويلًا وقال: “لأنني لم أستطع أن أعيش حياةً لا تكونين جزءًا منها.”
في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن الحب ليس وعدًا بالكمال، بل هو اختيار مستمر رغم كل شيء. لم يكن الطريق سهلًا، ولن يكون، لكنهما وصلا إلى نقطةٍ يفهمان فيها أن الحب الحقيقي لا يعني غياب الألم، بل القدرة على تجاوزه معًا.
اقتربت منه خطوة، ثم أخرى، حتى أصبحت أمامه مباشرة.
قالت بهدوء: “هذه المرة… لا تختفِ.”
ابتسم عمر، وكانت ابتسامته تحمل كل ما لم تستطع الكلمات قوله.
وهكذا، لم تنتهِ قصتهما عند الفراق، بل بدأت من جديد… على حافة الغياب، حيث اختارا أن يتمسكا ببعضهما، لا لأن الحياة سهلة، بل لأن الحب كان أقوى من أن يُنسى.