من نكسة 1967 إلى حرب أكتوبر والسلام: تاريخ مصر الحديث (1965–1980)
من نكسة 1967 إلى حرب أكتوبر والسلام: تاريخ مصر الحديث (1965–1980)

من عام 1965 حتى عام 1980 مرت مصر بواحدة من أكثر الفترات التاريخية كثافةً وتحولًا في تاريخها الحديث، حيث تداخلت فيها الهزيمة العسكرية، وإعادة بناء الدولة، وصعود قيادة جديدة، وحرب كبرى غيرت ميزان القوى في الشرق الأوسط، ثم الدخول في مرحلة إعادة التوجه السياسي والاقتصادي، وما صاحب ذلك من أزمات داخلية وتحديات إقليمية ودولية معقدة.
في منتصف الستينيات كانت مصر تعيش مرحلة حكم جمال عبد الناصر، حيث كان المشروع القومي العربي في ذروته، مع توجه واضح نحو دعم حركات التحرر ومواجهة النفوذ الغربي. لكن في الوقت نفسه كانت الدولة تواجه تحديات اقتصادية داخلية، وتزايدًا في التوتر الإقليمي مع إسرائيل، خاصة في ظل سباق تسلح متسارع ودخول المنطقة في أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. هذا الوضع المتشابك قاد تدريجيًا إلى انفجار عسكري كبير في يونيو 1967.
في الخامس من يونيو 1967 بدأت الحرب بهجوم جوي إسرائيلي مفاجئ أدى إلى تدمير جزء كبير من القوات الجوية المصرية، وتبعه انهيار سريع في الجبهة. خلال ستة أيام فقط فقدت مصر سيناء، كما فقدت دول عربية أخرى أراضي واسعة. هذه الهزيمة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت صدمة سياسية ونفسية عميقة أثرت على الدولة والمجتمع بشكل كبير، وبدأت بعدها مرحلة إعادة بناء شاملة.
بعد النكسة، أعلن جمال عبد الناصر تحمله المسؤولية وبدأت الدولة في إعادة تنظيم الجيش وتحديثه، مع اعتماد كبير على الدعم السوفيتي. وفي هذه الفترة بدأت حرب الاستنزاف على جبهة قناة السويس، وهي سلسلة من العمليات العسكرية التي استمرت لسنوات بهدف إنهاك القوات الإسرائيلية وإعادة بناء الثقة داخل الجيش المصري. هذه المرحلة كانت حاسمة في إعادة تشكيل القدرات العسكرية المصرية تدريجيًا.
في 28 سبتمبر 1970 توفي جمال عبد الناصر، وهو حدث شكّل نقطة تحول كبرى في تاريخ مصر الحديث. تولى أنور السادات الحكم في ظروف شديدة التعقيد، حيث كانت البلاد ما زالت تعاني من آثار الهزيمة، والجيش في طور إعادة البناء، والضغط الشعبي كبير لاستعادة الأراضي المحتلة. داخليًا واجه السادات صراعات داخل مؤسسات الدولة، ومحاولات لتثبيت حكمه، بالإضافة إلى وضع اقتصادي صعب، وخلافات داخل مراكز القوى السياسية.
خارجيًا كانت مصر تواجه وضعًا معقدًا للغاية، حيث استمرت إسرائيل في احتلال سيناء، مع دعم عسكري كبير من الولايات المتحدة، بينما كانت مصر تعتمد بشكل أساسي على الاتحاد السوفيتي الذي بدأ يقلص دعمه تدريجيًا في بعض الفترات. هذا التوازن الدولي جعل أي قرار بالحرب أو السلم مرتبطًا بحسابات دقيقة للغاية.
في بداية السبعينيات اتجه السادات إلى إعادة ترتيب الداخل السياسي، وفي نفس الوقت بدأ في تغيير توجه السياسة الخارجية تدريجيًا، خاصة مع محاولات فتح قنوات مع الولايات المتحدة. داخليًا واجه السادات ما عُرف بـ”مراكز القوى”، وهي مجموعات داخل الدولة كانت لها نفوذ كبير من عهد عبد الناصر، وتم التعامل معها في ما عُرف بثورة التصحيح عام 1971، والتي عززت من سيطرة السادات على الحكم.
في السادس من أكتوبر 1973 اندلعت حرب أكتوبر بشكل مفاجئ، حيث شنت مصر وسوريا هجومًا منسقًا ضد إسرائيل. تمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف في الساعات الأولى من الحرب، وهو إنجاز عسكري كبير أعاد الثقة للجيش المصري بعد نكسة 1967. في الوقت نفسه حققت سوريا تقدمًا في الجولان، لكن الحرب سرعان ما تحولت إلى صراع دولي غير مباشر بسبب تدخل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
انتهت الحرب بوقف إطلاق النار تحت ضغط دولي، لكنها أحدثت تحولًا جذريًا في ميزان القوى، حيث أثبتت مصر قدرتها على استعادة المبادرة العسكرية. بعد الحرب دخلت مصر مرحلة جديدة من المفاوضات السياسية، بدأت بمحاولات لفصل القوات، ثم تطورت لاحقًا إلى مفاوضات أكبر بوساطة أمريكية.
على المستوى الداخلي بعد حرب 1973، بدأت مصر تواجه تحديات اقتصادية متزايدة، خاصة مع ارتفاع تكاليف الحرب والحاجة إلى إعادة الإعمار. وفي عام 1974 بدأ السادات في فتح الاقتصاد جزئيًا فيما عُرف بسياسة الانفتاح الاقتصادي، والتي هدفت إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، لكنها في الوقت نفسه خلقت فجوات اجتماعية وتغيرات اقتصادية كبيرة أثرت على المجتمع المصري.
خلال هذه الفترة استمرت التحولات السياسية حتى زيارة السادات إلى القدس عام 1977، وهي خطوة غير مسبوقة في التاريخ السياسي العربي، أدت إلى تغير كبير في العلاقات الإقليمية، وأثارت انقسامًا واسعًا داخل العالم العربي. هذه الخطوة كانت مقدمة لاتفاقية السلام مع إسرائيل، والتي تم توقيعها لاحقًا في نهاية السبعينيات.
في 1978 تم التوصل إلى اتفاقية كامب ديفيد برعاية الولايات المتحدة، والتي أسست لعملية سلام رسمية بين مصر وإسرائيل، وتضمنت ترتيبات لاستعادة سيناء تدريجيًا. هذه الاتفاقية أثارت جدلًا واسعًا داخليًا وخارجيًا، حيث رآها البعض خطوة نحو السلام، بينما اعتبرها آخرون تغييرًا جذريًا في الموقف العربي التقليدي.
في نهاية هذه المرحلة، ومع بداية عام 1980، كانت مصر قد خرجت من عقد ونصف من الحروب والتحولات الكبرى، وانتقلت من مرحلة الصراع العسكري المباشر إلى مرحلة التسوية السياسية وإعادة بناء الدولة اقتصاديًا وسياسيًا، لكن مع استمرار تحديات داخلية تتعلق بالاقتصاد والتوازن الاجتماعي والعلاقات الإقليمية.
في المجمل، فإن الفترة من 1965 إلى 1980 تمثل واحدة من أكثر الفترات كثافة في تاريخ مصر الحديث، حيث بدأت بهزيمة عسكرية كبرى، ثم إعادة بناء شاملة، ثم نصر عسكري غير موازين المنطقة، ثم تحول سياسي ودبلوماسي أعاد رسم خريطة العلاقات في الشرق الأوسط، وما زالت آثار هذه المرحلة ممتدة حتى اليوم.