من يوميات محامى عسوول جدا
الاحداث كما وردت على لسان المحامى
: تقريبًا بقعد في مكتبي من بعد العصر لغاية بالليل متأخّر إلّا لو فيه شغل طاريء جالي في النيابة أو القسم، بقفّل قضايا وأكتب دعاوي وبجهّز شغل تاني يوم، وأنا سرحان قدّام شاشة الكومبيوتر لقيت الباب بيخبّط، قلت بصوت عالي: اتفضل. دخلت بنت سنّها صغيّر، تقريبًا 22 أو 23 سنة، وبعدها دخلت ست كبيرة وعيلين أكبرهم ميتجاوزش خمس سنين، رحّبت بيهم، الست قالتلي: إحنا منعرفكش لكن قرينا اليافطة برّا ودخلنا، قلتلها: تحت أمرك.

كانوا محرجين، لكن البنت دخلت في الموضوع، وبدأت تحكيلي تفاصيل القصة اللي القدر ساقهم لغاية مكتبي صدفة علشان نتوكّل فيها مع بعض.
البنت اتجوّزت وهي عندها 15 سنة من راجل أكبر منها بخمسة وعشرين سنة، ولإنّها قاصر فاتجوزّت بحاجة اسمها "جرّ سُنّة"، بتتعمل عند إمام مسجد، طبعًا دي شرعية، لكن أنا -بشكل شخصي- برفضها، لأسباب كتير، منها إن البنت في الغالب بتكون مجبرة على الزواج لإنّها عيّلة ومتفهمش حاجة، ثانيًا معظم حقوقها بتكونش مضمونة قوي غير لمّا بتكمّل السن القانوني وتروح تكتب عند مأذون.
البنت خلّفت من جوزها بعد فترة، معاملته معاها كانت صعبة، ضرب وإهانة بشكل دائم، وفي الآخر طردها هي وعيالها في الشارع فراحت قعدت عند أمها.

وهي بتحكيلي كشفت جزء من خدها كانت مدارياه، قالتلي: دي آثار الضرب اللي فاضلة على وشي. قلتلها: الكلام ده حصل امتى؟ قالتلي: من أسبوع. سألتها إن كانت عملت محضر فهزّت راسها: أمي مرضيتش.
بصيت لأمها، كنت عايز أقولها يعني إنتي مجوزاها بدون إرادتها لراجل أكبر منها بربع قرن وكمان بتسيبي حقها يضيع هدر!
شرحولي إنهم راحوا لمحامي من طرفهم لكنه طلب منهم أتعاب كبيرة واتعامل معاهم بعجرفة، في الوقت ده كنت بشتغل شغل شرعي كتير، قلتلهم: لكن لو الموضوع فيه باب موارب مش هينفع نخش محاكم! طبعًا بحاول من البداية أستشفّ نيتّهم في التقاضي، في الأمور دي الزوج بيعند لو لقي نفسه قدّام المحكمة، وممكن تحصل مشاكل البنت في غنى عنها لو الموضوع رسي على صلح.
أمها قالتلي خلاص كل شيء قسمة ونصيب وهنتوكّل على الله.
البنت عملت توكيل تاني يوم لما اتراضينا في موضوع الأتعاب ومصاريف القضايا، رفعت قضية خلع وقضية نفقة زوجية ونفقة صغار وتمكين من مسكن الزوجية لإنها حاضنة، ودي قضايا مضمونة قدّام محاكم الأسرة، بتاخد شوية وقت لكن مضمونة، خصوصًا بالقرارات اللي صدرت في المقاضاة المالية إن البنك يصرف مستحقات الزوجة المدعية وبعد كده يتعامل هو مع الزوج، سواء بالحجز أو خلافه عن طريق المحكمة.
كانت المشكلة في قضية قايمة المنقولات، أولًا لإنّها جنحة وشكل التقاضي فيها مختلف، ثانيًا لإن فيها درجات تقاضي متعددة، ودي بقى ممكن تاخد سنتين تلاتة.
حررت جنحة بقايمة المنقولات، ومن تصاريف ربنا إن الجنحة اتحددت جلستها خلال أقل من شهر، والزوج تم إعلانه إداريًا لإنه مسافر، فخد حكم غيابي، عمل فيه معارضة ومحضرش، قدرًا برضه، وخلال 3 شهور كنّا واقفين قدّام محكمة الاستئناف، ولإني عامل الجنحة غير مباشرة عن طريق القسم فيستوجب حضوره بشخصه مش محامي بتوكيل.
الزوج هددني مرة واتنين، وبعت ناس مكتبي، اتخانقنا مرة، واتصلت بالشرطة مرة، وكان واضح إنه حاسس بالخطر بيقرّب منه، حاول يتصالح لكن البنت كانت مصرّة على الطلاق، بعد شهر كمان وجلسة القايمة متداولة قدّام محكمة الاستئناف بالإحالة لمكتب الخبراء كنّا كسبنا قضية الخلع، والبنت بقت حرّة أخيرًا.
الزوج قدّام محكمة الاستئناف عمل عرض منقولات عن طريق قسم الشرطة، رحنا من الساعة 7 الصبح علشان نستلم، اتفتح محضر وجه خبير يعاين ويطابق المنقولات ما بين القايمة وعلى الطبيعة، كانت المنقولات متبهدلة، هي اللي في القايمة، لكن العفش مكسّر، والأجهزة عطلانة، رفضنا الاستلام، فرجعت القضية للمحكمة تاني، واتعمل عرض تاني للمنقولات.
في الفترة بتاعت عرض المنقولات واحد حبيبي أمين شرطة شاف البنت، ولإنها كانت جميلة وكمان مظلومة فاتعاطف معاها، التعاطف بدأ يكبر مع الوقت، وكلمني قالي: أنا عايز أتقدم لها.

أمين الشرطة كان بيدرس حقوق جامعة مفتوحة وقتها، عرضت عليها الأمر وقالتلي: طيب بس نخلص من القضية دي ونبقى نشوف.
عرض المنقولات التاني مفرقش عن الأولاني، نفس السياسة القذرة بتاعت الزوج، إنه يسلمها منقولاتها -اللي هي حقها- فطسانة ومتساويش تعريفة، رفضنا للمرة التانية، ورجعنا للمحكمة، القاضي لإنه زهق من القضية دي قالي اترافع يا أستاذ، اترافعت، وكان حكمه إن الزوج يسدّد قيمة المنقولات فلوس، المبلغ المالي الإجمالي بتاع القايمة، ده كان كرم من ربنا لإن مش كل القضايا دي بتخلص كده، وكمان علشان الموضوع يخلص والبنت تتوفق مع أمين الشرطة، يعني ربنا عوضها خير.
دلوقتي أمين الشرطة اتجوز وخلف منها وبقي ظابط واتنقل، بس الجميل في الموضوع إنهم أصروا إني أكون شاهد على العقد، وده اللي حصل.
ختاما
من الدروس اللي بستفيدها من مهنتي دايمًا: إن تدابير ربنا أكبر من تدابير خلقه، وإننا لازم ناخد بالأسباب، إحنا دايمًا سبب للخير لو ضمايرنا صاحية ونيتنا صافية