حين تحوّلت المجاملة إلى جرحٍ يومي: يوميات امرأة أرهقها الصمت
حين تحوّلت المجاملة إلى جرحٍ يومي: يوميات امرأة أرهقها الصمت
كانت “ريم” تعيش مع زوجها “مروان” في شقة متوسطة بإحدى المدن الهادئة. لم تكن حياتهما سيئة، ولم يكن ينقصهما شيء أساسي؛ الطعام موجود، الفواتير تُدفع، والضحكات أحيانًا تملأ البيت. لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، كان هناك شيء يتآكل ببطء… شيء لا يُرى بالعين بسهولة.
في بداية الزواج، كانت ريم تؤمن أن الحب لا يحتاج للكثير، فقط اهتمام بسيط وكلمات دافئة وشعور بالأمان. كانت تظن أن الحياة الزوجية تشبه تلك المشاهد الهادئة في الروايات، حيث يجلس الزوجان آخر الليل يحتسيان الشاي ويتحدثان عن أحلامهما الصغيرة. لكنها اكتشفت لاحقًا أن الواقع أكثر قسوة، وأكثر صمتًا أيضًا.
كان مروان رجلًا عمليًا للغاية. يستيقظ مبكرًا، يذهب إلى عمله، يعود مرهقًا، يتناول الطعام ثم ينشغل بهاتفه أو ينام سريعًا. لم يكن سيئ الأخلاق، ولم يكن قاسيًا بشكل مباشر، لكنه كان باردًا بصورة تُتعب القلب. ومع الوقت بدأت ريم تشعر أنها تعيش مع شخص يؤدي واجباته فقط، لا مع رجل يحبها فعلًا.
في كل مرة كانت تحاول التحدث معه، كان يرد بجملة واحدة: “أنا بعمل اللي عليّا.”
وكانت هذه الجملة كفيلة بإسكاتها كل مرة.
بمرور الشهور، بدأت ريم تراقب حياة الآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ترى صور الأزواج في الرحلات، والهدايا المفاجئة، ورسائل الحب الطويلة، فتعود إلى غرفتها وهي تشعر بشيء ثقيل داخل صدرها. لم تكن تغار من الناس بقدر ما كانت تتساءل: “ليه أنا مش حاسة بالاحتواء ده؟”
ومثل كثير من البشر، بدأت تقارن حياتها بلقطات منتقاة بعناية من حياة الآخرين. يا لها من عادة عبقرية فعلًا… البشر يشاهدون إعلانًا مزيفًا على الإنترنت ثم يقررون أن حياتهم كلها فاشلة مقارنة به.
في إحدى الليالي، كانت ريم تجلس بجوار زوجها تشاهد فيلمًا رومانسيًا، فضحكت البطلة عندما فاجأها زوجها بوردة صغيرة. نظرت ريم تلقائيًا إلى مروان وكأنها تنتظر تعليقًا أو حتى ابتسامة، لكنه كان منشغلًا بمتابعة رسائل العمل على هاتفه.
شعرت يومها أن المسافة بينهما أكبر من مجرد صمت.
لم تكن تريد هدية فاخرة، ولا رحلة إلى مدينة بعيدة، كل ما أرادته أن تشعر بأنها مرئية… أن يشعر بها أحد.
وفي صباح يوم عادي، استيقظت ريم متعبة نفسيًا. لم تنم جيدًا، وكانت تشعر بثقل غريب. دخلت المطبخ لتحضر الإفطار، لكنها جلست فجأة على الكرسي وبدأت تبكي دون سبب واضح. أحيانًا لا يحتاج القلب إلى كارثة كي ينهار، يكفيه تراكم بسيط من الخذلان اليومي.
دخل مروان المطبخ ورآها تبكي، فارتبك وسألها: “مالك؟”
لكنها لم تعرف كيف تشرح له أن المشكلة ليست في موقف واحد، بل في ألف موقف صغير لم ينتبه له أبدًا.
كيف تشرح له أنها تعبت من كونها دائمًا الشخص الذي يتفهم؟ من كونها تُسامح قبل أن يُعتذر لها؟ من كونها تُخفي حزنها حتى لا تُزعج أحدًا؟
اكتفت بجملة قصيرة: “مفيش.”
وهكذا بدأت المسافة تكبر أكثر.
في الأيام التالية، أصبحت ريم أكثر هدوءًا. لم تعد تشتكي، لم تعد تطلب الخروج، ولم تعد تسأله لماذا تغيّر. أحيانًا يصل الإنسان لمرحلة لا يغضب فيها… بل يتوقف فقط عن المحاولة.
لاحظ مروان ذلك، لكنه ظن أنها “مرحلة وستمر”.
الرجال أحيانًا يعتقدون أن المشاعر مثل إشعارات الهاتف، إذا تجاهلوها قليلًا ستختفي وحدها. ثم يتفاجؤون بانفجار كل شيء دفعة واحدة. عبقرية عاطفية مذهلة فعلًا.
وذات مساء، عادت ريم من زيارة لصديقتها القديمة “هبة”. كانت هبة مطلقة منذ عامين، لكنها بدت أكثر راحة وسلامًا من كثير من المتزوجات. قالت لها أثناء الحديث: “أسوأ شعور مش إنك تكوني لوحدك… أسوأ شعور إنك تكوني مع حد محسسك بالوحدة.”
ظلت الجملة تدور في رأس ريم طوال الليل.
جلست أمام المرآة تتأمل وجهها الذي تغيّر كثيرًا خلال السنوات الأخيرة. لاحظت كيف أصبحت تبتسم أقل، وكيف اختفى ذلك البريق الذي كان يملأ عينيها. أدركت فجأة أنها أهملت نفسها وهي تحاول الحفاظ على العلاقة.
وفي اليوم التالي، قررت أن تفعل شيئًا مختلفًا.
خرجت وحدها إلى مكتبة قريبة، اشترت رواية كانت ترغب بقراءتها منذ أشهر، ثم جلست في مقهى صغير تحتسي القهوة بهدوء. للمرة الأولى منذ فترة طويلة، شعرت أنها تتنفس.
عندما عادت إلى المنزل، لاحظ مروان اختلافًا بسيطًا في ملامحها. كانت أكثر هدوءًا، لكن بطريقة مختلفة. لم تعد تنتظر اهتمامه بنفس اللهفة القديمة.
وهنا فقط بدأ يشعر بالخوف.
الخوف لا يأتي دائمًا من الغضب، أحيانًا يأتي من البرود المفاجئ… من لحظة يدرك فيها الإنسان أن الطرف الآخر بدأ يتعلم كيف يعيش بدونه.
في تلك الليلة، حاول مروان فتح حديث معها، لكنها كانت مختصرة في ردودها. شعر للمرة الأولى أن هناك جدارًا حقيقيًا بينهما.
مرّت أيام قليلة قبل أن يجلس معها أخيرًا ويقول: “أنا حاسس إنك بعيدة.”
ابتسمت ريم بحزن وقالت: “أنا من زمان بعيدة… بس إنت اللي لسه واخد بالك.”
كانت الجملة ثقيلة عليه بشكل لم يتوقعه.
لأول مرة، بدأ يرى الأمور بعينيها. تذكر كل المرات التي تجاهل حديثها فيها، وكل مرة ظن أن توفير المال يكفي لصناعة بيت سعيد. أدرك متأخرًا أن العلاقات لا تعيش بالواجبات فقط، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تمنح القلب شعور الأمان.
ومنذ تلك الليلة، لم يتغير كل شيء فجأة كما يحدث في الأفلام، لكن شيئًا ما بدأ يتحرك.
صار مروان يحاول الإنصات أكثر. يسألها عن يومها. يجلس معها دون هاتف. يحاول أن يكون حاضرًا بقلبه لا بجسده فقط.
أما ريم، فلم تعد تلك المرأة التي تنتظر الحب بصمت مؤلم. تعلمت أن تتحدث، أن تعبّر، وأن تمنح نفسها الاهتمام الذي كانت تنتظره من الآخرين.
وفي النهاية، أدرك الاثنان حقيقة مهمة: العلاقات لا تموت بسبب الكراهية دائمًا، بل بسبب الإهمال البطيء… ذلك النوع الصامت من الفتور الذي يبدأ بكلمة غير قيلت، وينتهي بقلب لم يعد يشعر بشيء.
فأحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى معجزة كي يبقى… فقط يحتاج أن يشعر أنه مهم في حياة أحدهم.