وداع الصمت الجريح
وداع الصمت الجريح

كان شرف ومريم يحبا بعضهما من خلال مصنع بسيط وكانت هما الاثنان من أسر بسيطة وكانت يعملان لمساعدة نفسهما كانت علاقة زمالة في العمل ثم تطورت العلاقة إلي صداقة ثم حب كبير كانا يجاهدان لتكوين نفسهما ليتقدم شريف لخطبة مريم ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن واغلق المصنع بسبب الظروف الاقتصادية للبلاد وكان قرار الفراق لا مفر منه واتفقا علي المقابلة الأخيرة ليودعا بعضهما.
في الركن الدافئ من ذلك المقاهي القديم، حيث تلتقي ظلال الشجر بضوء النهار الخافت، جلست مريم تحرك ملعقتها في كوب القهوة الذي برد تماماً. أمامها، كان شريف ينظر إلى الساعة في يده، لا استعجالاً، بل هروباً من النظر في عينيها. كان هذا اللقاء هو "اللقاء الأخير"، الموعد الذي اتفقا عليه ليعلنا نهاية حكاية دامت سنوات. لم يكن هناك صراخ أو عتاب، بل هدوء مخيف، أشبه بالصمت الذي يسبق العواصف العاتية.
كانت الأجواء مشحونة بتفاصيل أغنية قديمة تنساب من مذياع المقهى، تهمس بلحن "قبل الوداع". حاول شريف أن يبدو متماسكاً، رسم على وجهه ابتسامة هادئة وقال بصوت مخنوق: "أنا مش زعلان يا مريم. بالعكس، أنا مبسوط إننا بننهي كل حاجة بهدوء، وأتمنى أشوفك دايماً فرحانة."
نظرت إليه مريم، وشعرت بغصة في حلقها. كانت تعرفه أكثر من نفسه، تعلم أن وراء هذا البرود المصطنع بركاناً من الوجع. تمنت لو تصرخ في وجهه وتطلب منه ألا يرحل، لكن كبرياءها كان أقوى. أومأت برأسها وقالت: "وأسعد أيام حياتي كانت معاك، بس خلاص، مفيش نصيب.
تبادلا الكلمات الرسمية وكأنهما غريبان التقيا صدفة. في تلك اللحظة، كان لسان حال شريف يقول: بجد مكنتش محتاج لحاجة غير إني أشوفك فرحانة، حتى لو الفرحة دي مش معايا. كان ينظر إلى تفاصيل وجهها وكأنه يحفرها في ذاكرته للمرة الأخيرة، يتأمل عينيها اللتين لمعتا بدموع محبوسة رفضت أن تسقط أمامه.
حانت لحظة الفراق. وقف شريف ومد يده ليودعها. لمست يده يدها، فسرى تيار من الحنين كاد أن يطيح بكل قراراتهما العقلانية. نظر في عينيها طويلاً، كاد أن ينطق، كاد أن يقول لها: "أنا محتاجلك"، لكنه تراجع في الثواني الأخيرة، مكتفياً بابتسامة باهتة.
التفت وظهره لها، وبدأ يمشى خطوة تلو الأخرى مبتعداً. ومع كل خطوة يخطوها، كانت الجدران تضيق، والشوارع تبدو خالية. لم يلتفت وراءه أبداً، ليس لعدم اهتمامه، بل لأنه كان يعلم أنه لو التفت خطوة واحدة، لركض نحوها مجهشاً بالبكاء ولألغى فكرة الوداع من أساسها.
أما مريم، فقد بقيت في مكانها تراقب ظهره وهو يختفي بين الحشود. نزل الصمت على الطاولة، وسقطت دمعتها الأولى والوحيدة في كوب القهوة البارد. أدركت في تلك اللحظة أن أصعب ما في الوداع ليس الفراق، بل الكلمات الصادقة التي حبسها الكبرياء في الصدور، لتعيش معهما طوال العمر كأمنيات معلقة لم تتحقق.