عندما حاول الحلفاء صناعة حاملة طائرات من الجليد

مشروع "حبقوق": عندما حاول الحلفاء غزو المحيط بجبل جليدي عائم!
في أوج معركة الأطلسي خلال الحرب العالمية الثانية، كان رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل يواجه كابوساً يؤرقه يومياً: الغواصات الألمانية الغادرة (U-boats) التي كانت تصطاد سفن الإمدادات الحيوية القادمة من أمريكا وكندا كالعصافير. كانت هناك منطقة مميتة في وسط المحيط الأطلسي تُعرف باسم "فجوة الأطلسي" (The Atlantic Gap)، وهي منطقة شاسعة لا تصل إليها الطائرات الحربية للحلفاء المنطلقة من البر بسبب قصر مداها، مما جعل السفن هناك صيداً سهلاً بلا أي غطاء جوي.
هنا، وفي ظل النقص الحاد في الفولاذ والمعادن اللازمة لبناء حاملات طائرات تقليدية، وُلدت واحدة من أغرب الأفكار وأكثرها جنوناً في التاريخ العسكري على يد عالم ومكتشف بريطاني غريب الأطوار يُدعى "جيفري بيك"؛ فكرة تمثلت في بناء حاملة طائرات عملاقة مصنوعة بالكامل من الجليد! أُطلق على هذا المشروع السري للغاية اسم "مشروع حبقوق" (Project Habakkuk).
العبقرية المجنونة: مادة "البايكريت" الثورية
عندما طرح "جيفري بيك" فكرته لأول مرة، قوبل بالسخرية؛ فالجليد يذوب بسرعة، كما أنه مادة هشّة تتشقق وتتحطم بسهولة إذا ضربتها القذائف أو الأمواج العاتية. لكن "بيك" لم يكن يقصد الجليد العادي، بل اخترع مع زميل له مادة ثورية خارقة أُطلق عليها اسم "البايكريت" (Pykrete).
كانت هذه المادة عبارة عن خليط سحري يتكون من 86% من الماء المتجمد و14% من نشارة الخشب أو ألياف الورق. هذا المزيج البسيط غيّر كل قوانين الفيزياء:
صلابة الفولاذ: أصبحت المادة الناتجة قوية للغاية وتتحمل الصدمات بشكل يضاهي الخرسانة أو الفولاذ، لدرجة أن الرصاص وقذائف المدافع كانت ترتد منها دون أن تكسرها!
مقاومة الذوبان: بفضل نشارة الخشب التي تعمل كعازل حراري طبيعي، كان البايكريت يذوب ببطء شديد جداً مقارنة بالجليد العادي، مما يجعله مثالياً للبقاء في مياه المحيط الباردة لفترات طويلة.
يقال إن "جيفري بيك" أخذ قطعة من البايكريت والقاها في حوض استحمام ونستون تشرشل الساخن ليثبت له أن المادة لا تذوب بسهولة، وعندما رأى تشرشل العرض أُصيب بالذهول وأعطى الضوء الأخضر الفوري للمشروع.
أبعاد أسطورية تفوق الخيال
لو قُدّر لمشروع "حبقوق" أن يكتمل، لكان قد غيّر مفهوم الهندسة البحرية إلى الأبد. صُممت الحاملة لتكون عبارة عن جزيرة جليدية اصطناعية عائمة بأبعاد غير مسبوقة:
الطول والوزن: كان من المفترض أن يبلغ طولها 600 متر (أي ضعف طول أضخم حاملة طائرات أمريكية اليوم)، وبعرض 90 متراً، وبوزن مرعب يصل إلى 2 مليون طن!
الحصن الذي لا يقهر: جدران الحاملة الجليدية كانت بسمك 12 متراً، مما يعني أن طوربيدات الغواصات الألمانية لو ضربتها فلن تؤثر فيها، وحتى لو أحدثت فجوة، كان التصميم يتضمن نظام تبريد داخلي ضخم يضخ سوائل مجمدة لإعادة تجميد المياه وسد الفتحات فوراً وسط البحر!
السعة: كانت قادرة على استيعاب وتجهيز أكثر من 150 طائرة مقاتلة وقاذفة قنابل ثقيلة.
التجربة الإمبراطورية في كندا
لإثبات نجاح الفكرة، تم بناء نموذج أولي مصغر سرّاً في عام 1943 في بحيرة "باتريشيا" بكندا. بلغ طول النموذج 18 متراً ووزنه ألف طن، وتم تزويده بنظام تبريد صغير لضمان بقائه متجمداً طوال أشهر الصيف. نجح النموذج الأولي بشكل باهر، وأثبت أن "البايكريت" يمكنه الصمود والطفو بنجاح.
لماذا ذاب الحلم الجليدي؟
رغم النجاح المبدئي، واجه المشروع عقبات واقعية ضخمة أدت في النهاية إلى إلغائه في أواخر عام 1943:
الكلفة اللوجستية الخفية: تبيّن أن بناء سفينة بهذا الحجم يتطلب كميات هائلة من نشارة الخشب وألياف الورق لدرجة أنها كانت ستستنزف غابات كندا بأكملها وتدمر صناعة الورق العالمية وقتها.
الحاجة للفولاذ: السفينة لم تكن جليداً خالصاً؛ بل كانت تحتاج إلى هياكل فولاذية داخلية لدعم المحركات الضخمة وأنظمة التبريد، وكمية الفولاذ المطلوبة كانت كافية لبناء أسطول من الحاملات التقليدية.
تطور تكنولوجيا الحرب: السبب الحاسم لإلغاء المشروع كان تسارع الأحداث التكنولوجية؛ حيث نجح الحلفاء في تطوير طائرات بعيدة المدى (مثل طائرات B-24 Liberator) قادرة على تغطية "فجوة الأطلسي" بالكامل، كما تم بناء حاملات طائرات صغيرة ورخيصة سدت الثغرة، ولم يعد هناك حاجة عملية لهذا الجبل الجليدي العائم.
الخاتمة
أُغلق ملف مشروع "حبقوق" ووُضع في أرشيفات التاريخ العسكري كأحد أكثر المشاريع طموحاً وغرابة. ترك البريطانيون النموذج الأولي في بحيرة كندا، واستغرق ذوبانه بالكامل ثلاثة صيفيات متتالية، ليبقى المشروع دليلاً صارخاً على كيف يمكن للحاجة الشديدة والضغط العسكري في أوقات الحروب أن يدفعا العقل البشري للتفكير في أفكار مجنونة تتجاوز حدود الواقع والخيال!