سلسلة: التاريخ مليء بالأكاذيب،  الحلقة الثالثة: نابليون لم يكن قصيراً

سلسلة: التاريخ مليء بالأكاذيب، الحلقة الثالثة: نابليون لم يكن قصيراً

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

سلسلة: التاريخ مليء بالأكاذيب،

الحلقة الثالثة: نابليون لم يكن قصيراً

image about سلسلة: التاريخ مليء بالأكاذيب،  الحلقة الثالثة: نابليون لم يكن قصيراً

 

⬛ مقدمة السلسلة ⬛
قيل قديماً: "التاريخ يكتبه المنتصرون". لكن الأدق من ذلك أن التاريخ يكتبه مَن يمسكون بالقلم، ويُعيد كتابته مَن يمسكون بالسلطة. هذه السلسلة ليست دعوة إلى العدمية أو إنكار كل ما مضى، بل هي دعوة إلى التفكير النقدي، وإعادة قراءة ما اعتقدنا أنه حقيقة راسخة. في كل حلقة سنكشف أكذوبة تاريخية ظلت تُدرَّس في المدارس وتُروى في الكتب، وسنضع أمامك الدليل والسؤال معاً.

  • الصورة الذهنية التي لا تفارقنا

ذكر اسم نابليون بونابرت أمام أي شخص، والأغلب أنه سيتخيّل فوراً رجلاً قصيراً يضع يده داخل معطفه ويحاول التعويض عن قصره بالغزو والسيطرة. بلغ الأمر أن علماء النفس صاغوا مصطلح "عقدة نابليون" للإشارة إلى ظاهرة تعويض الرجال القصار القامة بالعدوانية والطموح المفرط. وكأن نابليون أصبح رمزاً حضارياً لفكرة بعينها. لكن هنا تبرز مفارقة صارخة: نابليون لم يكن قصيراً. كان طوله حوالي مئة وسبعة وستين أو مئة وثمانية وستين سنتيمتراً، وهو طولٌ متوسط بل فوق المتوسط قياساً بمعايير الرجل الفرنسي في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. إذن من أين جاءت هذه الأسطورة؟

  • خطأ في الترجمة غيّر التاريخ

الجواب يكمن في خطأ لغوي ظريف. حين رصدت الاستخبارات البريطانية طول نابليون في وثائقها، سجّلته بـ"خمسة أقدام وسبعة بوصات" بالمقياس الفرنسي القديم. حين ترجم الإنجليز هذا الرقم، استخدموا المقياس الإنجليزي مباشرةً دون مراعاة الفارق بين البوصة الفرنسية والبوصة الإنجليزية، والبوصة الفرنسية كانت أطول. النتيجة أن الترجمة الخاطئة جعلت نابليون يبدو أقصر مما هو عليه حقاً. ثم جاء الرسام الكاريكاتيري البريطاني جيمس غيلراي ورسم نابليون في صورة رجلٍ قصير ضئيل يتعامل مع ساسة أوروبا العملاقة، وانتشرت تلك الرسوم انتشاراً واسعاً في إنجلترا ومنها إلى أوروبا كلها. الدعاية البريطانية وجدت في هذه الصورة سلاحاً نفسياً لا يُقاوم لتحقير العدو الأكثر خطورةً في تاريخها.

  • الحرب النفسية وأدواتها الفنية

لفهم حجم هذه الكذبة يجب أن نضع أنفسنا في سياق الحرب النفسية بين فرنسا وبريطانيا في تلك الحقبة. بريطانيا كانت تحارب نابليون عسكرياً، لكنها كانت تحاربه أيضاً في الأذهان والقلوب. الكاريكاتير السياسي كان السلاح الإعلامي الأقوى في ذلك الزمان قبل اختراع الصحافة الحديثة والتلفزيون. رسومات غيلراي كانت تنتشر في الحانات والمقاهي والأسواق وتصل إلى عموم الشعب البريطاني. حين ترسم عدوّك صغيراً أمام الخرائط والجنرالات والملوك، فأنت تُرسل رسالةً مفادها: هذا الرجل مجرد عقدة نفسية متضخّمة، لا عبقريٌّ حقيقي يستحق الخوف. والمفارقة أن نابليون نفسه كان يحيط نفسه بحرسٍ من أطول الرجال في الجيش الفرنسي، وكان هؤلاء الحرس يُعرفون بـ"الحرس الإمبراطوري القديم" الذي اشترط في أعضائه طولاً لا يقل عن مئة وثمانية وسبعين سنتيمتراً. مقارنةً بهم، بدا نابليون قصيراً في الصور والروايات، وهو ما كرّس الانطباع الخاطئ.

  • ماذا قال معاصروه عن طوله؟

الشهادات المعاصرة لنابليون من الرجال والنساء الذين قابلوه وجهاً لوجه لا تصفه أبداً بالقصر. المارشال ماكدونالد أحد قادة جيشه لم يُشر إلى أي شيء استثنائي في طوله. النساء اللواتي كتبن في مذكراتهن عن لقاءاتهن به في الحفلات والمناسبات الرسمية وصفنه بأنه رجلٌ ذو حضور مهيب وجاذبية واضحة دون أي ملاحظة على قصر القامة. حتى أعداؤه الذين كتبوا عنه بمرارة لم يلجأوا في الغالب إلى السخرية من طوله، بل من طموحه وعدوانيته السياسية. الشهادات التاريخية المباشرة تتعارض تماماً مع الأسطورة الشائعة، لكن الأسطورة انتصرت لأن الصور أقوى من الكلمات في تشكيل الذاكرة الجماعية.

  • عقدة نابليون: إهانةٌ لا تستحق التصديق

حين بنى علماء النفس مصطلح "عقدة نابليون" على شخصية نابليون، بنوه على أساسٍ كاذب. الأسوأ من ذلك أن المصطلح ترسّخ في الثقافة الشعبية وبات يُستخدم للسخرية من الرجال القصار عموماً. نابليون كان قائداً عسكرياً استثنائياً ومشرّعاً ذكياً صنع قانون نابليون الذي ألهم التشريعات الحديثة في أوروبا وأمريكا اللاتينية. كان يقرأ بشراهة ويُراسل العلماء ويهتم بالتعليم والعمران. اختزاله في أسطورة القِصَر هو إجهازٌ على تعقيد شخصيته وعلى الإرث الفعلي الذي تركه خلفه في التاريخ.

  • التاريخ يُكتب بالحبر وأحياناً بالكاريكاتير

ما تعلّمناه من نابليون هو أن الصورة أحياناً أقوى من الحقيقة. الرسام البريطاني جيمس غيلراي بريشته الساخرة أثّر في صورة نابليون أكثر مما أثّرت فيها موسوعاتٌ تاريخية كاملة. نحن نتذكر الصور قبل الأرقام، ونتذكر السخرية قبل التحليل، ونتذكر ما أضحكنا قبل ما علّمنا. هذه الحقيقة عن الطبيعة البشرية هي ما يستغلّه صانعو الأكاذيب التاريخية بذكاء: لا تحتاج إلى تزوير الوثائق، يكفيك أن ترسم صورةً مضحكةً وتنشرها في الوقت المناسب.

مع تحياتي: 

image about سلسلة: التاريخ مليء بالأكاذيب،  الحلقة الثالثة: نابليون لم يكن قصيراً
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت تقييم 4.94 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

111

متابعهم

420

متابعهم

2930

مقالات مشابة
-