الصوت الذي خرج من التسجيل:الجزء الثالث والأخير

الصوت الذي خرج من التسجيل:الجزء الثالث والأخير

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

الصوت الذي خرج من التسجيل

الجزء الثالث: الغرفة التي لا تتذكر نفسها

image about الصوت الذي خرج من التسجيل:الجزء الثالث والأخير

البداية الجديدة

لم يكن كريم قادرًا على تحديد ما إذا كان لا يزال حيًا أم لا. آخر ما يتذكره بوضوح هو ذلك التسجيل الغامض الذي استمع إليه داخل غرفة الأدلة، ثم ذلك الإحساس المربك الذي اجتاحه وكأن العالم بأكمله انكمش فجأة إلى نقطة صغيرة داخل رأسه، وبعدها اختفى كل شيء. لم يكن ما مر به يشبه النوم أو الإغماء، كما لم يكن يشبه الموت بالمعنى الذي يعرفه البشر. لقد كان فراغًا من نوع آخر، فراغًا لا يحتوي على ظلام أو ضوء، ولا يمكن للعقل أن يمنحه شكلًا أو اسمًا. كان مجرد إحساس بالوجود داخل مكان لا يخضع للقوانين التي اعتادها الإنسان.

عندما استعاد وعيه أخيرًا، وجد نفسه جالسًا على كرسي معدني داخل غرفة صغيرة ذات جدران رمادية باهتة. لم تكن هناك نوافذ أو أبواب أو أي فتحات تدل على إمكانية الدخول أو الخروج. بدا المكان وكأنه كتلة مغلقة بالكامل، وكأن الغرفة نفسها وُجدت فجأة في الفراغ دون أن ترتبط بأي عالم آخر. في منتصف الغرفة كانت هناك طاولة معدنية قديمة، وفوقها استقر جهاز التسجيل ذاته الذي اختفى من غرفة الأدلة.

شعر كريم بقشعريرة باردة تسري في جسده. لم يكن لديه أي شك في أن هذا الجهاز هو السبب وراء كل ما حدث منذ اختفاء مريم. اقترب منه بحذر، لكن انتباهه انجذب إلى كلمات محفورة على الجدار المقابل. كانت الجملة مكتوبة بخط يده هو، وكأن شخصًا آخر يحمل ملامحه مر من هنا قبله.

"إذا كنت تتذكر اسمك... فأنت لم تصل بعد."

قرأها مرات عديدة، وفي كل مرة كان يشعر بأن معناها يزداد غموضًا بدلًا من أن يصبح أوضح.

الزمن الذي يسير للخلف

رفع كريم معصمه لينظر إلى ساعته، فلاحظ شيئًا مستحيلًا. كانت العقارب تتحرك في الاتجاه المعاكس. في البداية ظن أن الساعة تعطلت، لكنه سرعان ما أدرك أن الحركة منتظمة تمامًا. الثواني تعود إلى الخلف، والدقائق تتراجع وكأن الزمن نفسه قرر التمرد على قوانينه المعروفة.

حاول أن يحسب المدة التي قضاها داخل الغرفة، لكنه فشل. لم يشعر بالجوع أو العطش أو التعب، كما أن الإضاءة لم تتغير أبدًا. لم يكن هناك ليل أو نهار، ولا أي وسيلة لمعرفة مرور الوقت. كان المكان معزولًا عن كل شيء، حتى عن مفهوم الزمن نفسه.

بعد فترة لا يعرف طولها، اشتغل جهاز التسجيل وحده. صدر منه تشويش قصير، ثم خرج صوت مألوف جعله يتراجع خطوة إلى الخلف.

كان صوته هو.

قال التسجيل:

"أنا كريم... أو كنت كريم."

تجمد في مكانه.

تابع الصوت:

"لو أنت سامعني دلوقتي، يبقى الغرفة بدأت تشتغل."

ساد صمت قصير، ثم عاد الصوت بنبرة أكثر توترًا:

"في حاجة مهمة لازم تعرفها... متبصش وراك."

في اللحظة نفسها شعر كريم بوجود شيء يقف خلفه مباشرة. لم يسمع حركة، ولم يشعر بأنفاس، ولم يرَ ظلًا على الأرض، لكنه كان متأكدًا بصورة لا تقبل الشك أن هناك شيئًا يقف خلفه وينظر إليه.

احتاج إلى كل قوة إرادته حتى يمنع نفسه من الالتفات. مرت ثوانٍ طويلة بدت كأنها ساعات كاملة، ثم اختفى ذلك الإحساس فجأة. لكن الرعب الحقيقي لم يكن في اختفاء الوجود الغامض، بل في أنه لم يعرف إن كان قد ابتعد... أم اقترب أكثر مما ينبغي.

الملفات المستحيلة

حيوات لم يعشها

بعد مدة غير معروفة بدأت أشياء غريبة تظهر داخل الغرفة. في البداية ظهرت ورقة واحدة على الأرض، ثم ملف، ثم مجموعة ملفات كاملة. ومع مرور الوقت امتلأت الأرض بعشرات الملفات التي لم تكن موجودة من قبل.

بدأ كريم يفحصها واحدًا تلو الآخر. كانت تحمل أسماء مختلفة وصورًا مختلفة، لكن الصدمة الحقيقية كانت أن كل الصور تعود إليه.

في أحد الملفات كان طبيبًا يعمل داخل مستشفى ضخم في مدينة لا يعرفها. وفي ملف آخر كان مدرسًا للتاريخ. وفي ثالث كان طفلًا صغيرًا يعيش مع أسرة مختلفة تمامًا. أما الملف الرابع فكان يحتوي على حياة رجل عجوز تجاوز السبعين من عمره.

كل ملف كان يحكي حياة كاملة بتفاصيلها الدقيقة. ذكريات، علاقات، نجاحات، إخفاقات، وحتى لحظات الموت. ومع ذلك كان يشعر بطريقة غريبة أن كل تلك الحيوات تخصه بالفعل.

كلما قرأ أكثر، بدأ الإحساس بالهوية يتلاشى تدريجيًا. لم يعد متأكدًا من حياته الحقيقية. هل هو الضابط كريم فعلًا؟ أم مجرد نسخة من بين مئات النسخ الأخرى؟

ملف مريم

في نهاية الكومة وجد ملفًا مختلفًا عن البقية. على غلافه كانت صورة مريم، لكن ملامحها لم تكن مطابقة للنسخة التي يعرفها. بدت أكبر سنًا وأكثر إرهاقًا، وكأنها عاشت سنوات طويلة من الرعب المستمر.

فتح الملف بسرعة.

وجد بداخله عشرات الصفحات التي تحكي قصصًا مختلفة لمريم. في بعضها كانت صحفية. وفي أخرى كانت طبيبة. وفي ثالثة كانت تعيش في مدينة لم توجد أصلًا في عالمه.

لكن العبارة المكتوبة أسفل الصورة كانت أكثر ما أثار خوفه:

"الأصل غير معروف."

ظل يحدق في الكلمات طويلًا. إذا كانت كل النسخ لها أصل، فلماذا كانت مريم وحدها مختلفة؟

image about الصوت الذي خرج من التسجيل:الجزء الثالث والأخير

الحقيقة التي كانت مختبئة

الصوت الذي ينتظر

في إحدى المرات اشتغل الجهاز مرة أخرى. هذه المرة لم يكن الصوت صوت مريم أو كريم، بل ذلك الصوت العميق الذي ظهر في التسجيلات السابقة.

الصوت الذي كان يقول دائمًا:

"وجدتك."

لكن كلماته هذه المرة كانت مختلفة.

قال بهدوء مرعب:

"أخيرًا بدأت تفهم."

شعر كريم بأن جدران الغرفة أصبحت أقرب إليه، وكأن المكان كله ينصت إلى ما سيقال.

تابع الصوت:

"أنتم ظننتم أنكم نسخ متعددة."

ساد صمت قصير.

"لكنكم كنتم مخطئين."

ازدادت دقات قلب كريم.

ثم جاءت الجملة التي غيرت كل شيء:

"أنتم لستم نسخًا... أنتم أجزاء."

لم يفهم المعنى في البداية.

لكن الصوت أكمل:

"كل شخص اختفى بعد سماع التسجيل لم يكن يختفي."

"كان يعود."

"وأنا أجمع ما ضاع مني."

بداية الفهم

لأول مرة بدأ كريم يربط الأحداث ببعضها. لم يكن الجهاز يتنبأ بالمستقبل. ولم تكن الرسائل تأتي من نسخ أخرى فقط. الحقيقة كانت أكثر رعبًا.

كان هناك كيان قديم تحطم إلى أجزاء لا حصر لها.

وانتشرت تلك الأجزاء داخل البشر عبر عوالم مختلفة.

كل شخص استمع إلى التسجيل كان يحمل جزءًا من ذلك الكيان دون أن يعلم.

وعندما يحين الوقت، يتم استدعاؤه.

ويختفي.

ويُضاف إلى البقية.

الذاكرة المحظورة

آلاف الحيوات في لحظة واحدة

فجأة بدأت الذكريات تتدفق إلى عقل كريم بصورة لا يمكن السيطرة عليها.

رأى حياة مريم كاملة.

ثم حياة رجال ونساء وأطفال من عصور مختلفة.

رأى مدنًا غرقت تحت المحيطات.

ورأى مدنًا أخرى لم تُبنَ بعد.

شاهد حروبًا لم تقع في عالمه.

وكوارث لم يسمع بها أحد.

كانت آلاف الحيوات تمر داخل رأسه في لحظات معدودة.

ورغم اختلاف الأشخاص والأماكن والأزمنة، كان هناك شيء واحد يجمع بينهم جميعًا.

كلهم سمعوا التسجيل.

وكلهم اختفوا بعد ذلك.

شيئًا فشيئًا بدأ يدرك أن هؤلاء الأشخاص لم يكونوا أفرادًا منفصلين.

بل شظايا متناثرة من كيان واحد.

كيان قديم يبحث عن اكتماله.

الرقم الأخير

النسخة 218

بين الملفات المتناثرة وجد كريم ورقة وحيدة.

لم يكن عليها سوى رقم واحد.

218

وفي الأسفل كانت هناك عبارة قصيرة:

"المتبقي واحد."

شعر بانقباض شديد في صدره.

كانت مريم تحمل الرقم 217.

إذا كان الرقم التالي هو 218، فهذا يعني أن هناك شخصًا أخيرًا لم يصل بعد.

لكن من يكون؟

وقبل أن يجد الإجابة سمع صوت باب يُفتح.

رغم أنه لم يكن هناك أي باب داخل الغرفة.

استدار بسرعة.

وفي الظلام الذي ظهر فجأة عند أحد الجدران، رأى امرأة تقترب ببطء.

كانت تشبه مريم.

وتشبهه هو أيضًا.

وكأن شخصًا ما جمع ملامحهما داخل وجه واحد.

توقفت أمامه.

ثم قالت:

"إحنا آخر اتنين."

سألها بصوت مرتجف:

"آخر اتنين من إيه؟"

ابتسمت بحزن وقالت:

"آخر اللي فاضل من الواقع."

المواجهة الأخيرة

الحقيقة الكاملة

شرحت المرأة لكريم ما لم يستطع أحد شرحه من قبل.

لم تكن مريم مجرد ضحية.

ولم يكن كريم مجرد محقق تورط في القضية.

كلاهما كان يحمل جزءًا أساسيًا من الكيان القديم.

وعندما اختفى جميع الآخرين، لم يتبقَ سوى هذين الجزأين.

إذا اكتمل الجمع، سيعود الكيان إلى الوجود مرة أخرى.

لكن عودته لن تعني نجاته.

بل انهيار الحدود بين العوالم كلها.

ولهذا حاولت النسخ المختلفة التحذير عبر التسجيلات.

ولهذا كان الجميع يختفون.

قرار أخير

في تلك اللحظة اهتزت الغرفة بعنف.

ظهرت مئات أجهزة التسجيل على الجدران والأرض والسقف.

ثم بدأت جميعها بالعمل في وقت واحد.

امتلأ المكان بآلاف الأصوات.

صرخات.

همسات.

نداءات استغاثة.

ووسط الفوضى كلها ظهر الصوت العميق من جديد.

وقال:

"اكتمل الجمع."

لكن المرأة أمسكت بجهاز التسجيل الأصلي.

ونظرت إلى كريم.

ثم قالت:

"لسه فيه اختيار."

فهم كريم ما تقصده.

إذا دُمِّر الجهاز، ستنتهي السلسلة كلها.

لكن الثمن سيكون اختفاء كل من ارتبط بها.

بمن فيهم هو.

الخاتمة

إغلاق التسجيل

أمسك كريم بالجهاز مع المرأة في اللحظة نفسها.

وضغطا زر التشغيل وزر الإيقاف معًا.

صدر صوت حاد اخترق الغرفة كلها.

ثم بدأت أجهزة التسجيل الأخرى تنفجر واحدًا تلو الآخر.

تشققت الجدران.

واهتز المكان بالكامل.

أما الصوت العميق فبدأ يضعف تدريجيًا.

ولأول مرة ظهر فيه الخوف.

ثم الغضب.

ثم الصمت.

واختفى نهائيًا.

النهاية

استيقظ كريم على أرض غرفة الأدلة في قسم الشرطة.

كانت الشمس تشرق من النافذة.

والساعة تشير إلى الثامنة صباحًا.

عندما بحث عن ملف مريم لم يجد شيئًا.

وعندما سأل عنها لم يتذكرها أحد.

كأنها لم توجد يومًا.

لكن الأهم من ذلك أن جهاز التسجيل اختفى.

ولم يظهر مرة أخرى.

مرت السنوات بعد ذلك بهدوء كامل.

لم تقع اختفاءات غامضة.

ولم تظهر تسجيلات جديدة.

ولم يسمع أحد ذلك الصوت مرة أخرى.

وفي يوم تقاعده، وجد كريم ورقة صغيرة داخل أحد الأدراج القديمة.

كانت تحتوي على جملة واحدة فقط:

"تم إغلاق التسجيل."

ابتسم للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.

ثم مزق الورقة وألقاها بعيدًا.

وأدرك أن الكابوس انتهى أخيرًا.

هكذا انتهت قصة الجهاز القديم، وانتهى الصوت الذي خرج من التسجيل، وانتهت معه الأسرار التي ابتلعت عشرات الأرواح عبر عوالم لا حصر لها.

ولم يُسمع ذلك الصوت مرة أخرى أبدًا.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
yasmen تقييم 4.98 من 5.
المقالات

11

متابعهم

24

متابعهم

137

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-