الصوت الذي خرج من التسجيل:الجزء الثاني
الصوت الذي خرج من التسجيل
الجزء الثاني: ما لا يجب سماعه
بداية مختلفة
لم تكن المشكلة في أن الجهاز قديم، ولا في أنه يعمل بطريقة غريبة، بل في أن كل من يقترب منه لفترة طويلة يبدأ تدريجيًا في فقدان إحساسه بالوقت. كان الضابط كريم قد لاحظ ذلك منذ الأيام الأولى، لكنه تجاهل الأمر باعتباره إرهاق عمل، إلى أن بدأ يكتشف أن الساعات التي يقضيها مع الجهاز لا تتطابق أبدًا مع ما يراه في الساعة الحائطية.

في إحدى المرات جلس فقط للاستماع لتسجيل قصير، وعندما انتهى كان مقتنعًا أن عشر دقائق فقط قد مرت، بينما كانت الساعة تشير إلى أكثر من ساعة ونصف. لم يكن هناك تفسير واضح، لكن الشعور بأن شيئًا ما “يُسحب” منه دون أن يلاحظه بدأ يتسلل إليه ببطء.
التسجيل الذي لم يكن موجودًا
عندما عاد إلى قسم الشرطة، كان الجهاز موضوعًا داخل ملف الأدلة، مغلقًا رسميًا، ومختومًا كما يجب. لكن الملف نفسه كان يحتوي على أمر غريب: تسجيل جديد غير مسجل في أي تقرير.
لم يتذكر أحد إدخاله.
ولا أحد اعترف بسماعه.
ورغم ذلك، عندما شغّله، كان هناك صوت مختلف عن المرة السابقة. ليس صوت امرأة، وليس صوت مريم، بل صوت يبدو وكأنه مزيج غير مكتمل من أصوات متعددة، تتداخل وتخرج من بعضها بشكل غير طبيعي.
قال الصوت:
"أنتم تعتقدون أنكم تستمعون… لكن الحقيقة أنكم تُسجَّلون."
ثم انقطع فجأة.
التغير الأول
بعد تلك الليلة بدأ كريم يلاحظ شيئًا غريبًا في زملائه. لم يكن أحد يتذكر مريم بنفس التفاصيل. كل شخص كان يصفها بشكل مختلف، وكأن الشخصية نفسها تتغير كلما تمت مناقشتها.
الأغرب أن ملف القضية نفسه كان يحتوي على صور تختلف عن الصور التي يتذكرها.
مرة وجهها واضح.
ومرة ملامحها غير مكتملة.
ومرة لا يوجد وجه أصلًا.
بدأ يشك في ذاكرته لأول مرة.
النسخة التي لا تشبه أحدًا
في تسجيل جديد، لم يكن هناك أي صوت بشري مفهوم في البداية. فقط ضوضاء تشبه غرفة مغلقة من الداخل، ثم فجأة ظهر صوت مريم… لكن بشكل مختلف.
كانت تتحدث وكأنها لا تعرف من هي.
قالت:
"أنا مش النسخة اللي فاكرها… أنا اللي قبلها بكتير."
ثم صمتت قليلًا.
"المشكلة مش في الجهاز… المشكلة في اللي بيعيد تشغيله."
لم يكن هناك شرح أكثر من ذلك، لكن الجملة كانت كافية لتغيير كل شيء.
اختفاء الفكرة نفسها
بعد أسبوع، حدث أمر لم يستطع تفسيره: لم يعد أحد في القسم قادرًا على نطق اسم مريم بشكل صحيح. كل مرة يحاول أحدهم قول الاسم، يتوقف لحظة، وكأنه غير متأكد إن كان هذا الاسم صحيحًا من الأساس.
حتى الملفات بدأت تفقد تماسكها. الأوراق تتبدل أماكنها. التوقيعات تختلف. وكأن القضية نفسها لا تريد أن تبقى ثابتة.
كريم وحده كان يتذكر كل شيء.
أو هكذا كان يعتقد.
الحقيقة غير المكتملة
في تسجيل لاحق، ظهر صوت رجل هذه المرة، لكنه لم يكن واضحًا بالكامل. كأن التسجيل نفسه يتردد بين حالتين مختلفتين.
قال الصوت:
"الجهاز لا ينقل الرسائل… بل يعيد تشكيل من يستمع."
ثم أضاف:
"كل مرة تستمع، تصبح نسخة أقل ثباتًا من نفسك."
لم يكن هناك أي تفسير منطقي، لكن شيئًا داخل كريم بدأ يشعر أن وجوده نفسه لم يعد كما كان.
بداية التداخل
بدأ يرى نفسه أحيانًا في أماكن لا يتذكر أنه ذهب إليها. ليس انعكاسًا، بل “وجودًا آخر” يتحرك في نفس المكان. مرة في الممر، مرة داخل غرفة التحقيق، ومرة خارج المبنى وهو يراقب نفسه من بعيد.
كل مرة كان يختفي بسرعة قبل أن يتأكد أحد.
لكن عدد المرات كان يزيد.

التسجيل الذي لم يكتمل
آخر تسجيل لم يكن يحتوي على نهاية واضحة. الصوت بدأ ثم توقف ثم عاد من نقطة مختلفة، كأن هناك أكثر من شخص يحاول التحدث في نفس اللحظة.
وفي منتصف التسجيل، سمع كريم جملة واحدة فقط واضحة تمامًا:
"أنت لست أول من يستمع… ولن تكون الأخير."
ثم صمت طويل.
ثم صوت أقرب بكثير مما يجب:
"لكن هذه المرة… أنت مختلف."
وانتهى التسجيل دون أي علامة على الإغلاق.
النهاية المفتوحة
في صباح اليوم التالي، دخل أحد أفراد الأمن إلى غرفة الأدلة ليجد الجهاز فارغًا تمامًا. لا تسجيلات، لا ملفات، لا أي أثر يدل على أنه كان موجودًا أصلًا.
لكن المشكلة لم تكن في الجهاز.
المشكلة أن كريم نفسه لم يحضر إلى العمل ذلك اليوم.
وعندما حاولوا الاتصال به، كان الرقم غير موجود.
ليس مغلقًا.
بل غير موجود.
وكأن شخصًا يحمل نفس الاسم… لم يولد من الأساس.
وفي نفس اللحظة، داخل شقة فارغة تمامًا في مكان آخر، بدأ جهاز تسجيل قديم يعمل من تلقاء نفسه.
وقال صوت منخفض جدًا:
"التجربة انتقلت."