الوجوه التي اختفت
الوجوه التي اختفت
المقدمة: حين يصبح الناس بلا ملامح
لم يكن كريم من النوع الذي يبالغ في تفسير الأشياء، ولم يكن يؤمن بسهولة بفكرة أن العقل يمكن أن يخون صاحبه إلى هذا الحد، كان دائمًا يرى أن الإنسان مهما انهار يظل قادرًا على التمييز بين الحقيقة والوهم، بين ما هو موجود فعلًا وما هو مجرد قلق داخلي عابر، لذلك عندما بدأ يشعر للمرة الأولى أن وجوه الناس لا تثبت في ذهنه، أقنع نفسه أنها مجرد فترة إرهاق، مرحلة عابرة ستنتهي بعد نوم عميق أو إجازة قصيرة أو ربما يوم بعيد عن الضغوط.
لكن المشكلة أن الأمر لم يكن يختفي.
بل كان يزداد هدوءًا… بطريقة أخطر، أشبه بشيء لا يصرخ ليُلاحظ، بل يتسلل بصمت حتى يصبح جزءًا من الواقع دون أن ينتبه أحد.
في البداية كان يحدث بشكل عابر، لحظات قصيرة جدًا يشعر فيها أنه يعرف الشخص أمامه، يسمع صوته بوضوح، يتذكر سياق العلاقة بينهما، وحتى تفاصيل صغيرة لا علاقة لها بالوجه نفسه، لكن عندما يحاول النظر إلى ملامحه، يجد شيئًا غريبًا، كأن الصورة تكتمل ثم تنكسر في نفس اللحظة، كأن العقل يلتقطها ثم يتركها تسقط قبل أن تتحول إلى ذاكرة حقيقية.
وكان الأسوأ من ذلك أنه لم يكن يشعر أنه “لا يرى”… بل كان يشعر أنه “يرى ثم ينسى فورًا”، وكأن هناك خللًا في لحظة الحفظ نفسها، لا في لحظة الإدراك.
الفصل الأول: وجه لا يثبت في الذاكرة
بدأ الأمر في صباح عادي جدًا، في المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه كل يوم تقريبًا، نفس الطاولة ونفس النادل ونفس الروتين الذي لا يحمل أي مفاجآت، حتى إن التفاصيل كانت محفوظة في ذاكرته بشكل مريح يشبه الطمأنينة.
اقترب منه النادل مبتسمًا، ليس بابتسامة جديدة، بل بابتسامة كان يراها منذ أشهر وربما سنوات، وقال بصوت مألوف:
"قهوة سادة زي العادة؟"
رفع كريم رأسه ببطء.
الصوت كان واضحًا، دافئًا، يحمل نبرة يعرفها جيدًا، وكأنه جزء من خلفية حياته اليومية، لكن الوجه… كان شيئًا آخر تمامًا، لم يكن غريبًا بالمعنى المباشر، لكنه لم يكن “قابلًا للتثبيت”، كأن ملامحه لا تريد أن تستقر داخل رأسه، كأن كل محاولة لتذكرها تُقابل بانزلاق هادئ دون مقاومة.

حاول كريم أن يركز أكثر، أن يربط بين الصوت والصورة، أن يبحث عن علامة صغيرة، أي شيء يمكن أن يمنحه يقينًا، لكن كل ما حدث هو شعور متزايد بالفراغ، فراغ لا يخيف في البداية، لكنه مربك بطريقة تشبه فقدان الاتجاه في شارع تعرفه جيدًا.
ابتسم مجاملة وأجاب:
"أيوه… زي العادة."
لكن داخله كان هناك شيء مختلف تمامًا بدأ يتشكل دون إذنه، سؤال لم يكن واضحًا لكنه كان يضغط من الداخل:
إذا كنت أعرف هذا الشخص… لماذا لا أستطيع تذكر وجهه؟
ولم يكن السؤال مخيفًا في بدايته، بل كان أقرب إلى ارتباك بسيط، مثل محاولة تذكر حلم بعد الاستيقاظ مباشرة، لكن الفرق أن هذا الحلم كان يتكرر مع كل وجه يراه.
الفصل الثاني: العالم الذي بدأ يفقد ملامحه
بعد أيام قليلة، لم يعد الأمر لحظة عابرة في المقهى، بل أصبح نمطًا يتكرر في كل مكان تقريبًا.
في العمل، كان يسمع زملاءه بوضوح، يميز نبراتهم، يعرف من يتحدث حتى دون أن ينظر، يتفاعل معهم بشكل طبيعي، يضحك في اللحظة المناسبة، ويرد في الوقت المناسب، وكأنه ما زال جزءًا كاملًا من العالم الاجتماعي حوله، لكن المشكلة كانت تبدأ كلما رفع نظره.
الوجوه لم تعد تثبت.
كان ينظر إلى شخص يتحدث إليه، يراه بوضوح تام، تفاصيله كلها موجودة، ومع ذلك بعد ثوانٍ، إذا أدار وجهه ثم عاد إليه، يشعر أنه يحتاج إلى إعادة تعريفه من جديد، كأن الصورة تُمحى فورًا من الذاكرة البصرية.

وفي لحظات معينة كان يشعر بشيء أكثر إرباكًا من النسيان نفسه، وهو إحساسه أنه “يعرف الشخص دون أن يتذكر شكله”، وكأن المعرفة العاطفية انفصلت عن الإدراك البصري، وأصبح يتعامل مع الناس كأصوات لها سياق، لا كوجوه لها حضور.
وفي أحد الأيام، وقفت أمامه زميلته في العمل وقالت مازحة:
"إنت دماغك مشغول بحاجة تانية واضح… شكلك بعيد خالص."
ضحك بخفة، لكنه لم يكن قادرًا على النظر إلى وجهها لأكثر من ثانيتين دون أن يشعر أن الصورة تتفكك داخله، ومع ذلك كان يعرف أنها شخص مهم في حياته، وهذه المفارقة كانت بداية الانهيار الحقيقي.
الفصل الثالث: زيارة الطبيب
عندما بدأ الخوف يتحول من شعور داخلي إلى تأثير واضح على حياته اليومية، قرر أن يزور طبيب أعصاب، ليس لأنه مقتنع بوجود مرض، بل لأنه يريد فقط أن يسمع تفسيرًا يغلق هذا الباب الذي بدأ يفتح داخله.
في غرفة هادئة بيضاء، جلس تحت ضوء ثابت لا يتغير، وأُجريت له اختبارات طويلة جدًا، صور لأشخاص مختلفين، أسئلة عن التفاصيل، محاولات لقياس الذاكرة البصرية، وكان يجيب بشكل طبيعي في البداية، ثم بدأ يشعر أن الإجابات نفسها لم تعد تعكس ما يراه داخليًا.
في النهاية، أغلق الطبيب الملف بهدوء، وكأنه يحاول اختيار كلماته بدقة حتى لا يترك أثرًا زائدًا، ثم قال:
"الحالة اسمها فقدان التعرف على الوجوه… الدماغ بيشوف طبيعي، لكن بيبطل يقدر يربط الوجه بهوية الشخص."
صمت كريم طويلًا.
كان يحاول استيعاب الجملة، لكنه كان يشعر أنها لا تصف ما يمر به بالكامل، كأن هناك جزءًا أعمق لم يتم لمسه بعد.
ثم قال بصوت منخفض جدًا:
"يعني ممكن أعيش وسط الناس ومبقاش قادر أعرفهم؟"
تردد الطبيب للحظة، وهذا التردد كان الجواب الحقيقي.
الفصل الرابع: أمي
كانت أمه بالنسبة له آخر شيء لا يحتاج تفسيرًا، آخر شيء يظن أنه ثابت مهما تغير كل شيء آخر.
عندما ذهب إليها في مساء هادئ، فتحت الباب بابتسامة مألوفة جدًا، ابتسامة محفورة في ذاكرته منذ الطفولة، وقالت بصوت دافئ:
"اتأخرت النهارده ليه؟"
دخل وهو يشعر بمزيج غريب من الراحة والقلق، كأن المكان نفسه ما زال يحتفظ بمعناه القديم، لكن إدراكه بدأ يتغير.
جلس أمامها، كانت تتحدث، تسأله، تحكي تفاصيل يومها، تضحك أحيانًا، تتنهد أحيانًا أخرى، وكل شيء فيها يبدو طبيعيًا جدًا، لكن كريم كان مشغولًا بشيء واحد فقط:
أنه كلما حاول أن يثبت ملامحها في ذهنه، كانت تختفي ببطء، ليس دفعة واحدة، بل كأنها تذوب داخل ذاكرته.
كان يعرف أنها أمه، هذا لم يتغير، لكن “صورة الأم” نفسها بدأت تصبح فكرة أكثر من كونها شكلًا.
وفي تلك اللحظة، شعر بشيء مؤلم جدًا:
أن المعرفة وحدها لا تكفي عندما تفقد القدرة على رؤية من تعرفهم.
الخاتمة: الرجل الذي لم يعد يعرف العالم
في النهاية، لم يعد كريم قادرًا على الجزم بأي شيء.
هل الناس تغيروا فعلًا؟
أم أن عقله هو الذي بدأ يعيد بناء الواقع بطريقة مختلفة؟
لم يعد هناك خط واضح بين المرض والحقيقة، بين الإدراك والوهم، بين ما يراه وما يعتقد أنه يراه.
وفي آخر صفحة كتبها، كتب جملة واحدة فقط، طويلة وكأنها خرجت منه بصعوبة:
"ربما لم أفقد وجوه الناس… ربما بدأت أرى ما لم أكن أراه من قبل."
ثم أغلق الدفتر.
ولم يفتحه مرة أخرى.
لكن أكثر ما بقي غامضًا بعد اختفائه، ليس المرض نفسه…
بل حقيقة أن كل من حاول أن يتذكره بعد ذلك، شعر بشيء غريب جدًا:
أن ملامحه تتغير كل مرة يحاولون فيها تذكره.
وكأنه لم يكن شخصًا واحدًا…
بل احتمالًا لا يستقر أبدًا على شكل واحد.