حارة الطرطور (الحلقة 1): صراع الجبابرة وموت الكبير

حارة الطرطور (الحلقة 1): صراع الجبابرة وموت الكبير

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

حارة الطرطور (الحلقة 1): صراع الجبابرة وموت الكبير

​وقار جمّ فوق منصة الموت

​في عمق الحارة التي غاب عنها المنطق منذ عقود، وتحديداً في منزل المعلم "هدهد" كبير حارة الطرطور، كان المشهد يبدو مهيباً وغريباً في آن واحد. جلس المعلم هدهد على كرسيه الخشبي الضخم الذي يطلق عليه أهل الحارة تهكماً وتوقيراً "الكرسي الملكي". كان المعلم يضع فوق رأسه "الطرطور المقدس"؛ ذلك الطرطور الطويل المخروطي الذي يمثل رمز السلطة والجاه في الحارة، وبوقار جم كان يحاول تثبيته فوق رأسه، رغم أن جسده الوهيل كان يرتجف بفعل الموت الذي يطرق بابه.

​كان الحاضرون من أعيان الحارة وسكانها يصطفون بانتظام شديد على يمين ويسار القاعة الفسيحة، يملأ قلوبهم مزيج من الرعب والترقب الشديد، وهم يتابعون خروج أنفاس كبيرهم التي كانت تتصاعد وتتأرجح ببطء مع طول الطرطور المهيب. الجميع كانوا ينتظرون الكلمة الأخيرة، أو الأوامر الحاسمة من كبيرهم الذي أوشك على الرحيل وترك الكرسي شاغراً لأول مرة منذ سنوات طويلة.

​المزاد العلني على التركة المقدسة

​تحامل المعلم هدهد على مرضه، ونظر بعيون صقر أطفأها الموت في أعين فتوات الحارة الأشداء، ثم قال بصوت واهن ومتقطع، يحاول جاهداً أن يجعله قوياً وخشناً لآخر لحظة:

— “الطرطور ده مقدس ومش أي حد يلبسه.. واللي يلبسه لازم يكون جدير بيه ويعرف قيمته.. ويمشي بيه زي ما الجهات العليا عايزة!”

​في تلك اللحظة بالذات، دارت العجلة في رأس المعلم "أبو دومة"؛ ذلك الفتوة الطويل العريض الذي يرهب الحارة بنبوته. برم أبو دومة شاربه الكثيف الذي يكاد يحجب أشعة الشمس، وهو ينظر إلى باقي الفتوات المنافسين له —أبو شومة وأبو سلومة— بنظرات تقطر ثقة واستعلاء، كأنه يرى الطرطور المقدس قد استقر بالفعل فوق رأسه، وأن زعامة الحارة باتت في جيبه الصغير.

​لم يتحمل المعلم "أبو شومة" هذا الاستعلاء، فتقدم خطوة للأمام مرتدياً هيبة مستعارة لا تناسب ملامحه الخائفة، ورد متملقاً وهو يوجه حديثه للمحتضر:

— “ما تخافش يا معلم هدهد، الطرطور في أمانتي، والبشوات برة أوامرهم سيف على رقبتي!”

​حين تهتز الشنابات والنبابيت

​اشتعلت الأجواء فجأة داخل القاعة؛ عقد المعلم أبو دومة حاجبيه بغضب أعمى من تصريح أبو شومة وولائه المبكر، بينما لمعت عينا الفتوة الثالث، المعلم "أبو سلومة"، وعلا صوته الجهوري وهو يقول بنبرة واعظة ومتذاكية:

— “الطرطور ما ينفعش غير للي يعرف قيمته، ويعرف أصوله وقواعده.. وأنا بقى اللي أعرف الأصول دي كويس!”

قالها وهو يوزع نظرات التحدي الحارقة بين غريميه أبو دومة وأبو شومة، مستعرضاً قدرته على إدارة الأمور بحنكة.

​وهنا انفجر غضب المعلم أبو دومة ولم يعد يطيق صبراً، فاهتز شاربه الضخم وهو يصيح بقوة هزت أرجاء المنزل:

— “الله! هو مفيش كبير هنا يملى عينكم ولا إيه؟ وأنا رحت فين؟ ده أنا يالا أنت وهو كبير من ساعة ما كنتوا لسه في اللفة!”

image about حارة الطرطور (الحلقة 1): صراع الجبابرة وموت الكبير

​اعتذار متأخر لغطاء الرأس

​وقبل أن تتحول المشادة الكلامية إلى معركة بالنبابيت والشوم، خرجت كحة المعلم هدهد جافة، خشنة، ومزلزلة، وكأنها تخرج معها أنفاسه الأخيرة من الدنيا. صمت الجميع تماماً، وتعلقت الأبصار بالطرطور الذي كاد يسقط، ثم قال المعلم بصوت واهن معاتباً يحمل مرارة شديدة:

— “بتتخانقوا مين يلبس الطرطور وانتوا مش عاملين حساب ولا قيمة للطرطور اللي على راسي؟ الطرطور لازم يكون ليه هيبته واحترامه..”

​نزلت الكلمات كالصاعقة على رؤوس الفتوات الثلاثة؛ اعتدل العمالقة فوراً، ونظر كل واحد منهم إلى الأرض خجلاً، ثم وقفوا بأدب جمّ نادراً ما يظهر منهم، ونكسوا رؤوسهم قائلين في صوت واحد خاشع:

— “إحنا آسفين يا كبيرنا.. وآسفين للطرطور بتاعنا!”

image about حارة الطرطور (الحلقة 1): صراع الجبابرة وموت الكبير

​خلوة سرية وترقب في الأزقة

​استأنف المعلم هدهد كلامه بجهد جهيد، مشيراً بيده الارتجافية نحو الباب الخارجي:

— “اطلعوا دلوقتي.. وخلوني أقعد مع نفسي أشاور الطرطور مين اللي هيلبسه بعدي..”

​انصاع الجميع للأمر الفوقي، وخرج الحاضرون من القاعة وهم يتهامسون في وجل وتوجس: "يا ترى الطرطور هيختار مين من الفتوات التلاتة؟".

بينما قال رجل بسيط من سكان الحارة وهو يلتفت لجاره ويسرع خطاه في الأزقة المظلمة:

— "أكيد الطرطور هيختار المعلم أبو شومة، ده اللي هيمشي على عجين الجهات دي ما يلخبطوش".

فرد عليه صديقه ممتعضاً ومدافعاً عن فتوته المفضل:

— “وليه ما يكونش المعلم أبو دومة بصحته وعضلاته؟ ولا حتى المعلم سلومة بذكائه وقواعده؟”

هنا تدخلت زوجة أحدهم لتهدئة الموقف العائلي والحاراتي قائلة بحكمة مستسلمة:

— “انتوا هتتخانقوا ليه؟ سيبوا الطرطور هو اللي يختار وإحنا راضيين بحكمه!”

​في هذه الأثناء، خرج الفتوات الثلاثة إلى أزقة الحارة الضيقة؛ كان كل واحد منهم ينظر إلى الآخر بعين تتطاير منها شرر الثقة العمياء بأنه هو من سيكون صاحب الطرطور المقدس القادم دون منازع.. ولكن، في أعماق كل منهم، كان يدبّ توجس خفي وسؤال مرعب: هل سيكون هو فعلاً صاحب هذا الشرف العظيم، أم أن الطرطور له رأي آخر؟

​(تابعونا في الحلقة القادمة لمعرفة قرار الطرطور المقدس!)

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
summer sadek تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

3

متابعهم

5

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-