حقيقة «البردية المفقودة» من مقبرة توت عنخ آمون: قراءة نقدية في ضوء علم المصريات مقدمة
حقيقة «البردية المفقودة» من مقبرة توت عنخ آمون: قراءة نقدية في ضوء علم المصريات

منذ اكتشاف هوارد كارتر لمقبرة الملك توت عنخ آمون عام 1922، لم يتوقف الجدل حول هذا الاكتشاف الذي يعد من أعظم الاكتشافات الأثرية في التاريخ. وإلى جانب الدراسات العلمية التي تناولت محتويات المقبرة، ظهرت على مدار العقود الماضية عشرات الكتب التي قدمت روايات مثيرة، من أشهرها الادعاء بأن كارتر عثر على برديات تكشف الحقيقة الكاملة عن خروج بني إسرائيل من مصر، ثم أخفاها أو سرقها.
وتكررت هذه الرواية في بعض الكتب العربية، ومنها كتاب «المسكوت عنه في التاريخ» للدكتور وسيم السيسي، كما تبناها مؤلفا كتاب «توت عنخ آمون.. مؤامرة الخروج». لكن السؤال الذي يجب أن يطرحه أي باحث تاريخي هو: هل توجد أدلة أثرية أو وثائق أصلية تثبت هذه القصة؟
الإجابة التي يقدمها علم المصريات حتى اليوم هي: لا.
أولاً: هل وُجدت برديات داخل مقبرة توت عنخ آمون؟
على الرغم من أن المقبرة احتوت آلاف القطع الأثرية، فإن السجل الرسمي الذي أعده هوارد كارتر وفريقه، ثم الدراسات اللاحقة التي قام بها علماء المصريات، لا تذكر وجود برديات تاريخية تتناول قصة خروج بني إسرائيل أو أي أحداث سياسية من عصر إخناتون.
وقد جرى تسجيل محتويات المقبرة بدقة بالغة، وصُورت القطع الأثرية، ونُشرت في مجلدات علمية، وأصبحت مادة لدراسات استمرت أكثر من قرن. ولو كانت هناك بردية بهذا الحجم من الأهمية، لكانت اليوم من أشهر الوثائق المصرية القديمة، شأنها شأن بردية إيبرس أو بردية آني أو حجر رشيد.
ثانياً: هل قال هوارد كارتر إنه وجد بردية تغير التاريخ؟
تتكرر في بعض الكتب عبارة منسوبة إلى كارتر مفادها أنه سيعلن للعالم عن بردية تكشف الحقيقة الكاملة للخروج من مصر.
لكن المشكلة الأساسية أن هذه العبارة لا تظهر في:
مذكرات هوارد كارتر المنشورة.
تقاريره الرسمية عن المقبرة.
المراسلات المعروفة بينه وبين الجهات الأثرية.
أي وثيقة معاصرة يمكن التحقق منها.
ويعتمد مروجو هذه الرواية على مصادر ثانوية ومتأخرة، وليس على وثيقة أصلية يمكن للباحثين مراجعتها.
وفي المنهج التاريخي، لا تُقبل الادعاءات الاستثنائية دون وثائق أصلية يمكن فحصها.
ثالثاً: هل سرق كارتر آثاراً من المقبرة؟
لا شك أن شخصية هوارد كارتر ليست محل إجماع بين المؤرخين.
فقد وُجهت إليه انتقادات عديدة، كما ثبت أن بعض القطع الصغيرة خرجت من المقبرة بصورة غير قانونية، وانتهى بعضها في متاحف أو مجموعات خاصة.
لكن الانتقال من هذه الوقائع إلى الادعاء بأنه أخفى بردية قادرة على تغيير تاريخ الأديان يحتاج إلى دليل مستقل، وهو ما لا يتوفر.
فوجود تجاوزات في التعامل مع بعض القطع الأثرية لا يعني تلقائياً صحة أي رواية لاحقة عن "بردية مفقودة".
رابعاً: هل يمكن أن تخفي المؤسسات الأثرية بردية كهذه لأكثر من مائة عام؟
هذا من أكثر جوانب الرواية ضعفاً.
فمنذ اكتشاف المقبرة، شارك في دراستها آلاف الباحثين من مختلف الجنسيات، كما خضعت محتوياتها للتصوير والفحص والترميم وإعادة الدراسة مرات عديدة.
ولو كانت هناك بردية تتحدث عن خروج بني إسرائيل، فمن الصعب للغاية أن تبقى مخفية طوال هذه العقود دون أن يظهر لها أثر مادي أو صورة أو نص أو حتى وصف علمي.
كما أن نجاح مؤامرة بهذا الحجم عبر أكثر من قرن، مع تغير الحكومات والأنظمة والباحثين، أمر لا تدعمه أي أدلة.
خامساً: هل يوجد دليل أثري على خروج بني إسرائيل من مصر؟
حتى اليوم لا يوجد إجماع بين المؤرخين حول وقوع الخروج بالشكل الوارد في النصوص الدينية.
فبعض الباحثين يرى أن الحدث قد يكون استند إلى وقائع تاريخية محدودة، بينما يرى آخرون أنه تقليد ديني تشكل عبر الزمن.
لكن أياً من الاتجاهين لا يستند إلى بردية من مقبرة توت عنخ آمون.
وبالتالي فإن ربط المقبرة بقصة الخروج يظل فرضية بلا دليل أثري مباشر.
سادساً: فرضية أتباع إخناتون
ذهب بعض المؤلفين إلى أن الخارجين من مصر كانوا أتباع إخناتون، وليسوا بني إسرائيل.
وهذه الفكرة ليست جديدة؛ فقد طُرحت بأشكال مختلفة منذ القرن التاسع عشر.
لكنها لم تحظ بقبول واسع بين علماء المصريات، لعدم وجود نصوص مصرية أو آثار تؤيدها بصورة مباشرة.
وتبقى في إطار الفرضيات التاريخية، لا الحقائق المثبتة.
سابعاً: أين الدليل؟
من القواعد الأساسية في البحث التاريخي أن عبء الإثبات يقع على من يطرح الادعاء.
فإذا قيل إن بردية غُيبت عمداً، فمن الواجب تقديم:
صورة لها.
أو نصها.
أو رقم تسجيلها.
أو تقرير أثري يثبت وجودها.
أو شهادة معاصرة موثقة يمكن التحقق منها.
أما الاكتفاء بالقول إن "البردية اختفت لأنها كانت ستغير العالم" فلا يرقى إلى مستوى الدليل التاريخي.
خاتمة
بعد أكثر من قرن على اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، لا توجد أي بردية منشورة أو محفوظة أو موثقة تتناول قصة خروج بني إسرائيل من مصر.
كما لا توجد وثيقة أصلية تثبت أن هوارد كارتر أعلن امتلاكه لمثل هذه البردية ثم تراجع عن ذلك.
ورغم أن بعض تصرفات كارتر في إدارة الاكتشاف تعرضت لانتقادات، فإن هذه الوقائع لا تشكل دليلاً على وجود مؤامرة لإخفاء وثيقة تغير تاريخ الأديان.
إن التاريخ لا يُكتب بالاحتمالات أو الروايات المثيرة، وإنما بالوثائق القابلة للفحص، والنقوش، واللقى الأثرية، والمصادر الأولية. وحتى يظهر دليل أثري جديد يمكن التحقق منه، تبقى قصة "البردية المفقودة" جزءًا من الأدبيات المثيرة للجدل، لا من الحقائق التي أقرها علم المصريات.
أولًا: المصادر الأولية
- Carter, Howard, and Arthur C. Mace. The Tomb of Tut.ankh.Amen. 3 vols. London: Cassell & Company, 1923–1933.
- Carter, Howard, and Arthur C. Mace. The Discovery of the Tomb of Tutankhamen. New York: Dover Publications, 1977. (Reprint of the original work).
ثانيًا: أعمال نيكولاس ريفز
- Reeves, Nicholas. The Complete Tutankhamun: The King, the Tomb, the Royal Treasure. Rev. ed. London: Thames & Hudson, 2022.
- Reeves, Nicholas. Valley of the Kings: The Decline of a Royal Necropolis. London: Kegan Paul International, 1990.
- Reeves, Nicholas, ed. After Tut'ankhamun: Research and Excavation in the Royal Necropolis at Thebes. London: Kegan Paul International, 1992.
- Reeves, Nicholas, and John H. Taylor. Howard Carter Before Tutankhamun. New York: Harry N. Abrams, 1993.
- Reeves, Nicholas, and Richard H. Wilkinson. The Complete Valley of the Kings. London: Thames & Hudson, 1996.
ثالثًا: أعمال إيان شو
- Shaw, Ian, ed. The Oxford History of Ancient Egypt. Oxford: Oxford University Press, 2000.
- Shaw, Ian. Ancient Egypt: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 2004.
- Shaw, Ian, and Paul Nicholson. The Dictionary of Ancient Egypt. London: British Museum Press, 1995.
رابعًا: أعمال باري كيمب
- Kemp, Barry J. Ancient Egypt: Anatomy of a Civilization. 3rd ed. London: Routledge, 2018.
- Kemp, Barry J. The City of Akhenaten and Nefertiti: Amarna and Its People. London: Thames & Hudson, 2012.
خامسًا: أعمال توبي ويلكنسون
- Wilkinson, Toby. The Rise and Fall of Ancient Egypt. London: Bloomsbury, 2010.
- Wilkinson, Toby. Lives of the Ancient Egyptians. London: Thames & Hudson, 2007.
- Wilkinson, Toby. The Nile: Downriver Through Egypt's Past and Present. London: Bloomsbury, 2014.
سادسًا: مراجع متخصصة عن توت عنخ آمون
- James, T. G. H. Howard Carter: The Path to Tutankhamun. London: Tauris Parke Paperbacks, 2012.
- James, T. G. H. Tutankhamun. New York: Friedman/Fairfax, 2000.
- Hawass, Zahi. Discovering Tutankhamun: From Howard Carter to DNA. Cairo: American University in Cairo Press, 2013.
- Hawass, Zahi. The Golden Age of Tutankhamun. Cairo: American University in Cairo Press, 2004.
- Winstone, H. V. F. Howard Carter and the Discovery of the Tomb of Tutankhamun. Rev. ed. Manchester: Barzan Publishing, 2006.