مداد العصور.. من عتمة السطور إلى فيض النور

مداد العصور.. من عتمة السطور إلى فيض النور

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

مداد االعصور من عتمة السطور إلى ففيض النور: 


 

 

             يحكى والله أعلم بما مضى من قديم الزمان وسالف 

العصر والأوان، أنه كان في بلاد الإفرنج (والمقصود هنا 

بلاد الألمان وبالتحديد في مدينة ماينتس)  رجل يدعى 

يوهان غوتنبرغ، وكان رجلا لبيباً، ذا بصيرة ونفاذ، يعشق 

الحروف أيما عشق ويقدر الكلمات حق قدرها. 

               

                  و في ذلك الزمان، كانت الكتب عزيزة المنال،

 لا يملكها إلا ذوو السلطان والأموال،  إذ كانت تُخَطُّ 

بالأقلام على الرقوق و الجلود، فتقضي في نسخ الكتاب 

الواحد أعمار ومدود، وتجف في سبيل ذلك المحابر،

 وتكل من كثرة الضبط الأنامل والخناجر، حتى صارت 

المعرفة حبيسة الخزائن، والجهل في الآفاق بائن. 

 

            جلس غوتنبورغ يوما في خلوته، يراقب كيف 

يغمس النساخ أقلامهم في الحبر بصبر وأنين، وعندها 

فقط خطر له خاطر كأنه قبس من لهب ثائر. 

 إذ قال في نفسه: 

" يا ضيعة العلم إن بقي في بطون الرقوق سجينا! و ﷲ 

لأصنعن من هذا المعدن  ألسنا تنطق بالحق آلاف 

المرات، وفي ساعة واحدة من الساعات. "

فانكب هذا الأخير على الحديد والسبائك، يصهر هذا 

ويسبك ذاك، حتى مزج الرصاص اللين بصلابة القصدير 

المتين، فصاغ منها حروفاً هي" الحروف المتحركة " كأنها 

حبات الدر الثمين، ورتبها في قوالب مخصوصة كأنها 

صفوف الجند الميامين.​

      

                 

           ولكن واهاً للحرف العربي الأبيّ؛ فبينما كانت حروف 

الإفرنج منفصلة، تترصّف في القوالب ممتثلة، كانت 

حروفنا العربية جسداً واحداً متصلاً، يرفض الانبتات ويأبى 

أن يكون منفصلاً… 

فكم جاهد الصناع والمهندسون  ليطوعوا حديد الآلات 

لتشابك  سين الانحناءات و ياء الانسيابات، حتى استقام 

الحرف العربي على الورق بعد طول سهر و عرق. 

ثم جلب يوهان معصرة للعنب، وحولها بقدرة ﷲ أولا، 

ثم حسن الصنيع ثانيا إلى آلة غريبة هي مطبعة مهيبة، 

تضع الوشم على الورق بسرعة عجيبة. 

   وما هي إلا غفوة عين وصحوتها، حتى انشقت حجب 

الظلام عن شمس المعرفة. فبعد أن كان الكتاب الواحد 

يستغرق سنين عديدة،  صارت المطبعة تخرج النسخ في 

أيام معدودة،  ففاض العلم فيض النيل في الوديان، 

 ووصلت الكتب إلى أيدي الرعية بعد أن كانت حكرا على 

 الكهنة والرهبان،  وعمت المعرفة فتعلم الكبير 

والصغير، واستنار العقل بضياء التفكير،  ثم سقطت 

القيود فلم يعد العلم سجين الدور والقصور، بل طار في 

الأفق كأنه سرب  من النسور. 

      

      وهكذا فقد كانت "ثورة غوتنبرغ"  هي الفجر الذي طرد 

ليل الجهل، وبها كتبت للأمم حياة جديدة، وأصبح المداد 

أغلى من الذهب والياقوت، لأن به تحيا العقول وعليها 

لاتموت. هنا وقف الوراقون حيارى، يتأملون هذا القادم 

الجديد بنظرة حذرة واستمارة، أكانت المطبعة للخطاط 

غريماً يسرق الضياء، أم خادماً يرفع  اللواء؟ والمنصفُ يرى 

أن ألم النساخ قد أثمر فناً عجباً، فبعد أن كفتهم 

المطبعة عناء النسخ كتاباً كتاباً، تفرغ المبدعون لهندسة 

الحروف وتجويد الأسطر، فصارت المطبعة تنشر العلم 

في الآفاق، وظل الخطاط سيداً يسكب الجمال في 

الأحداق. 

   

            لكن الحكاية لم تنته بعد،  فالله أعلم بروائع الصنائع، 

وما جرى في غابر الأزمان من العجائب والبدائع، أنه لما 

دارت رحى الزمان بعد ثورة غوتنبرغ وتبدَّلت أحوال الإنس 

والجان، كلَّت أيدي الخلائق عن مسك الأقلام، و اشتاقت 

العقول لسرعة تسابق رفيف الأحلام. 

 

        ظهرت في بلاد الغرب  البعيدة آلة غريبة عجيبة، ذات 

أزرار مرصوفة كأنها جند في نوبة مصفوفة تدعى " الآلة 

الكاتبة ". كانت هذه الآلة، إذا ضغطت على زر منها 

إنطلق لسان من حديد، يقرع على الورق بضغط شديد، 

فيترك أثرا من الحبر أسود كالليل، في لمح البصر أو 

كركض الخيل. اصطف الكتَّاب و الوراقون أمامها 

مبهورين، وهم يسمعون طنينها الذي يملأ الدواوين، 

تصدر صوت تكات الكتابة:" تك.. تك… تك… "كأنها نقرات 

طائر على شباك النافذة،  وصوت رنين الجرس  إيذان 

بانتهاء السطر و عودة الفكر للكر، حتى صارت الرسائل 

تخرج منها كالدرّ  المنظوم، لا اعوجاج فيها ولا سقوم، 

واستراح الوراق من عناء غمس الريشة في الدواة، ومن 

جفاف المداد قبل بلوغ الغايات. 

            

       image about مداد العصور.. من عتمة السطور إلى فيض النور

 

                وبينما كان الناس في دهشة من أمر هذه الآلة 

حتى انشق الغمام عن مارد لا يمكن رؤيته، يسكن في 

صندوق صغير خلف الزجاج يدعى "الحاسوب ". هذا المارد 

ليس له لسان يقرع ولا صرير يسمع، بل يضيئ بنوره من 

خلف الشاشات و يمسح الخطأ بلمسة إصبع في لحظات 

فامتاز بالسرعة الخارقة حيث صار الكاتب ينثر  الكلمات 

كما يدر الريح الرمال، لا يمنعه سطر ولا يحجبه محال، 

إضافة للخطوط الملونة بضغطة زر واحدة، يتبدل الخط 

من كوفي عريق إلى ديواني رشيق، أو إلى ثلث أنيق ، 

وكذلك من حيث الحفظ والصون فإذا فرغ الكاتب 

من سفره، أودعه في سحابة رقمية تطير في الفضاء 

لايطالها حرق ولا يمسها ماء. 

 

image about مداد العصور.. من عتمة السطور إلى فيض النور

               

                  هذا وفي الخاتم نلقي السلام على كل من سمع 

الحكاية، و شاركنا الرحلة إلى النهاية، فسبحان من علم 

الإنسان مالم يعلم وجعل المداد نورا والآلة خادما 

والحاسوب كونا مسطورا.

      فيا قارئ السطور، إن الحرف أمانة، والكلمة رسالة، 

فاجعل مدادك ذخراً لا يبلى، وأثراً في العالمين يُتلى. 

                                                    

 

بقلم الكاتب: لعيساني هيثم. 

        

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Haitem Laissani تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-