خيوط العنكبوت
كانت الحارة القديمة بتتنفس ريحة الياسمين والطين، والسكوت فيها كان له صوت تاني غير أي مكان. في الزقايق دي، اللي الزمن وقف فيها من زمان، كبر "آدم" و"سارة". محدش يعرف بالظبط إمتى صداقتهم بدأت، كأنهم اتولدوا سوا، أو كأن أرواحهم كانت متفقين على بعض قبل ما جسمهم ينزلوا الدنيا دي.
وهما ست سنين، آدم كان طفل ساكت وخجول، دايمًا شايل كتاب صغير في جيبه، وسارة كانت شرارة نشاط، شعرها الأسود طاير مع كل حركة، وعينيها البنيات دايماً بيدوروا على مغامرة. اتقابلوا في ساحة المدرسة القديمة، لما سارة وقعت وهي بتحاول تتسلق شجرة التين الكبيرة، وآدم كان الوحيد اللي جرى يساعدها، ماسك إيدها الصغيرة بإيد مرتعشة بس قوية. ومن اللحظة دي، إيدهم مفترقتش.
السنين عدت زي العصافير المهاجرة، سريعة وخفيفة. قعدوا على نفس المكتب، قسموا وجبات الغداء البسيطة، ورسموا أحلام الطفولة على ورق الكراسات. كانوا بيضحكوا على أسرار محدش غيرهم يفهمها، وبيعيطوا سوا لما تموت قطة الحيوان الأليف، أو لما واحد منهم يرسب في امتحان مهم. الأهالي كانوا بيبصوا لهم برضا، والأصحاب كانوا بيهزروا ويقولوا: "آدم وسارة.. زي الجسد والروح".
بس مع دخول مرحلة المراهقة، رياح التغيير بدأت تهب بهدوء مخيف. اللعب في الشارع بقى مش كفاية عشان يملأ الفراغات اللي بدأت تكبر في صدورهم. النظرات الخاطفة بقيت نظرات طويلة مليانة أسئلة مش مطروحة. الصمت بينهم بقى تقيل ومحمّل بكلمات مترفضة تطلع.
في ليلة صيف حارة، وهم قاعدين على سطح بيت آدم يشوفوا النجوم فوق المدينة، سارة حسست إن قلبها بيدق بقوة بتوجع صدرها. بصت جنبها، شافت آدم باصص للأفق البعيد، وشكله عليه الوقار الهادي اللي عرفته من الصغير، بس عينيه كانوا فيها بحر من المشاعر المكبوتة. عايزة تمد إيدها تلمس كتفه، بس رجعت خايفة. لو اعترفت بحبها وخسرت صاحبها الوحيد؟
وكمان آدم كان حاسس بنفس الحاجة. كان بيحب سارة حب بيبعد عن حدود الصداقة بكتير. كان شايف فيها ملجأه الوحيد من وحشة العالم. بس كان خايف تكون مشاعره مجرد وهم، وأن سارة شايفاه أخ أو رفيق درب. فاختار الصمت. اختار يفضل قريب منها من غير ما يقرب أوي، ويحافظ على المسافة الآمنة اللي تضمن إنها تفضل في حياته للأبد.
***

وجت الليلة اللي غيرت كل حاجة.
عاصفة شتا قوية كانت بتضرب المدينة. الكهرباء قطعت، والشوارع اتلأت ميّه. سارة اتصلت بآدم بصوت مرتعش، قالتله إنها محتبسة في المكتبة العامة القديمة اللي كانوا بيروحوا لها دايماً. آدم ما ترددش لحظة. لبس جاكيته ونزل للعاصفة الهائجة.
وصل للمكتبة وهو مبلول لآخره، شعره لاصق بجبهته، ونفسه طالع بخار في الهوا البارد. لقى سارة قاعدة قرب الشباك الكبير، ماسكة ركبتيها وباصصة للخارج بعينين زجاجيين. لما شافته، وقفت فجأة، والكتاب اللي كانت قراياه وقع على الأرض.
جرت ناحيته، وما قدرتش تمنع نفسها. حضنته بقوة، دفنت وجهها في صدره المبلول، وعيطت. ما كانتش بتعيط من البرد أو الخوف من العاصفة، لا، كانت بتعيط من ثقل السنين اللي فاتت، من الكلمات المحبوسة، والخوف الأبدي من الفقدان.
آدم حس بجسمها بيرتعش بين دراعاته. فهم في اللحظة دي إن الصمت مبقاش خيار. مسك وشها بإيديين باردين بس بيحرقوا من جوه، وباصص في عينيها مباشرة.
- "سارة..." همس باسمها.
- رفعت عينيها ليه، والدموع لسه مالينهم.
- قال بصوت واطي بس واضح زي الرعد: "مش قادر أعيش يوم تاني وأخبي إني بحبك. بحبك يا سارة، مش كأخت، ولا كصديقة. بحبك كامرأة عايزك تكوني شريكة عمري، وأم عيالي، وصحبتي الوحيدة."
الدنيا وقفت حواليهم. صوت المطرة برا الشباك بقى بعيد، وضوء المدينة اتمحى. سارة بصتله، وحست إن القيود اللي شدت قلبها لسنين اتكسرت. ابتسمت ابتسامة عبرت عن كل الوجع والسعادة معاً، وقالت: "وأنا كمان... كنت مستنية الكلام ده من يوم ما كنا عندنا ست سنين."
في الليلة دي، تحت ضوء الشمعة الوحيدة اللي فضل مضوي في المكتبة القديمة، حب جديد اتولد. حب ناضج، عميق، ومبني على أساس متين من سنين الصداقة الصادقة.
***
شهور السعادة المطلقة بدأت. الفترة دي كانت شبه حلم حلو الإنسان مش عايز يصحى منه. آدم وسارة عاشوا قصة حب أسطورية، ملأت أزقة المدينة القديمة بالحياة والنور.
كانوا بيخرجوا نزهات طويلة وقت غروب الشمس، لما السما تتحول لوحة فنية ألوانها برتقالي وبنفسجي. كانوا بيمشوا إيد في إيد على الكورنيش، بيسمعوا أمواج البحر بتحكي أسرارها للشاطئ. سارة كانت بتحط راسها على كتف آدم، وهو بيهمسلها بقصائد بيكتبها مخصوص لها، قصائد عن جمال عينيها وعمق روحها.
احتفلوا بأعياد ميلاد بعض بطرق بسيطة بس مليانة معنى. في عيد ميلاد سارة الخمسة والعشرين، آدم خدها للشجرة القديمة اللي اتقابلوا عليها أول مرة. كان علق عليها مئات الورقات الملونة، كل ورقة فيها ذكرى من ذكرياتهم. سارة عيطت من الفرحة، وشكرت ربنا على وجود الراجل ده في حياتها.
كل واحد فيهم دعم حلم التاني بلا حدود. سارة كانت بتحلم تبقى مصممة أزياء عالمية، فكان آدم بيشجعها، وبيساعد يشتري أدواتها، ويحضر عروضها الأولى ويقعد في الصف الأول مصفق بحماس. وسارة بدورها كانت بتدعم حلم آدم إنه يكتب رواية كبيرة، فكانت بتقرأ مسوداتها بليل ونهار، وبتديه ملاحظات دقيقة تخلي شغله أفضل.
كانوا بيضحكوا على أبسط المواقف. مرة، حاولوا يطبخوا العشا سوا في بيت آدم، وانتهى الموضوع بحريق صغير في المطبخ وريحة أكل محروق تعم البيت. قعدوا على أرضية المطبخ بياكلوا بيتزا باردة من المطعم القريب، وبيضحكوا لحد دموعهم نزلت من شدة الضحك.
ومشوا تحت المطرة أكتر من مرة، مش هربانين منها، لا مستمتعين بيها. سارة كانت بتلف في الشارع والمطر بيغسل وشها، وآدم بيبصلها بابتسامة عريضة، وبعدين بيجري وراها يمسك إيدها ويركضوا سوا زي الأطفال.
خططوا لمستقبلهم بتفاصيل دقيقة. اتكلموا عن البيت هيشتروه، وعن حديقة صغيرة هيزرعوا فيها الورد والياسمين. اتكلموا عن أسماء ولادهم المستقبليين، وعن الرحلات هيعملوها حولين العالم. المستقبل كان بالنسبالهم وعد مقدس مستحيل يتنقض.
آدم قال لسارة ليلة وهم بيشوفوا النجوم تاني: "حاسس إننا اتخلقنا لبعض. مفيش مكان في الدنيا دي بحس فيه بالأمان غير جنبك."
سارة ردّت وهي ماسكة إيده بقوة: "وأنا كمان. أنت نصي التاني يا آدم. بدونك، أنا مجرد ظل بيمشي في الفراغ."
حياتهم كانت مثالية لدرجة خللت الناس اللي حواليهم يحسوا بالغيرة أحياناً. كانوا المثال الحي إن الحب الحقيقي ممكن، وإنه ينفع ينمو من بذرة الصداقة ويبقى شجرة ضخمة تحمي الكل من عواصف الحياة.
***
بس، زي ما الحكايات القديمة بتقول، السعادة المطلقة ما بتدومش للأبد. أو يمكن، السعادة دي كانت مجرد هدوء قبل العاصفة الكبيرة.
التغييرات بدأت تظهر ببطء، زي الشرخ الصغير اللي بيظهر في الحيط القديم قبل ما يقع.
في الأول، كانت حاجات بسيطة تنفع تتفسر بالتعب أو ضغط الشغل. آدم تأخر عن ميعاد العشا مرتين ورا بعض من غير سابق إنذار. لما سارة سألتُه عن السبب، كان مشتت، وقال إن شغله في المكتب كان مرهق جداً. سارة صدقته، لأنها عارفة قد إيه هو ملتزم بشغله.
بعد كده الرسائل بدأت تختفي. سارة كانت بتبعت لآدم رسائل حب قصيرة خلال اليوم، ولما تجي بالليل تلاقيه مردش عليها. ولما تسأله، بيقول إنه الإشعارات ما وصلتش بسبب مشكلة تقنية في الموبايل. المشكلة التقنية كانت مقنعة في الأول، بس تكرارها بدأ يزرع بذرة شك صغيرة في قلب سارة.
وجت المواقف الغريبة. سارة راحت لكافي كانوا بيروحوله دايماً عشان يتقابلوا مع آدم. وصلت في الميعاد المحدد، واستنت ساعة كاملة. آدم مجاش. اتصلت بيه، لكن موبايله كان مقفول. حسّت بالقلق والخوف. حصله مكروه؟ جرت لبيته، وخبطت الباب بقوة. آدم فتحلها الباب، وكان بانّ مرتبك ومتوتر.
- "ليه ما جيتش؟" سألته سارة بصوت مرتعش من القلق.
- آدم بصّلها نظرة غريبة، وقال: "إحنا اتفقنا على اللقاء بكرة، مش كده؟ بعتلك رسالة بكده."
- سارة حسّت بالدوار. "لا، اتفقنا على النهاردة. الساعة خمسة. فاكرة كويس."
- آدم هز راسه ببطء. "يمكن نسيتي. أو يمكن أنا اللي غلطت في التاريخ. آسف يا سارة."
اعتذاره ما كانش مقنع. نبرة صوته كانت باردة، وعينه بتتجنب تبص له مباشرة. سارة خرجت من بيته وهي حاسة إن حاجة اتغيرت في علاقتهم، بس ما قدرتش تحدد هي إيه.
بعد أيام قليلة، حادثة تانية حصلت. سارة كانت قاعدة مع صاحبتها من الطفولة "ليلى"، اللي كانت بتشتغل في نفس شركة آدم. ليلى قالت لسارة بشكل عابر: "بالمناسبة، شفت آدم امبارح في المطعم مع زميلة جديدة. كانوا بيضحكوا أوي. بان إنهم بقوا قريبين أوي من بعض."
سارة حسّت بألم حادة في قلبها. سألت بصوت حاولت تخليه هادي. "أي زميلة؟"
- "مش عارفة اسمها بالظبط. بس كانت جميلة أوي، وبيتكلموا بلغة جسد بتشير لعلاقة خاصة."
سارة حاولت تطرد الفكرة من دماغها. "آدم مش هيعمل كده. إحنا بنثق في بعض." بس بذرة الشك اللي ليلى زرعتها بدأت تكبر بسرعة مذهلة.
اليوم اللي بعده، سارة واجهت آدم بالموضوع. سألتُه مباشرة. "في حاجة مخبيها عليّا؟"
- آدم انفجر غضباً، وده أمر نادر منه. "بتقصدي إيه؟ بتشكي فيّا؟ بعد كل اللي عشناه سوا؟"
- "أنا مش شاكا فيك، بس سمعت حاجات..."
- قطع عليها كلامه. "الحاجات اللي بتسمعيها مجرد إشاعات هدفها تدمير سعادتنا. ما بتثقيش بيا يا سارة؟"
رد فعله كان مبالغ فيه. بدل ما يطمئنها بهدوء، هاجمها واتهمها بعدم الثقة. سارة خرجت وهي في حالة حيرة وألم. بدأت تتساءل: هل هو فعلاً بريء، ولا في حاجة بتحصل وراها؟
ومن الناحية التانية، آدم بدأ يحس بنفس الشكوك تجاه سارة. لاحظ إنها بتقضي وقت أطول مع أصحابها القدامى، خصوصاً "كريم"، اللي كان معجب بيها زمان. شاف رسائل على موبايلها من كريم، ورغم إنها كانت بريئة، بس توقيتها وكترها خلق شكوك عند آدم.
الخلافات بدأت تتصاعد. مبقيش بيتكلموا عن الأحلام والمستقبل، كلامهم بقى مليان اتهامات ودفاع عن النفس. كل كلمة بتقال بتتفسر بطريقة غلط. كل صمت بيتعتبر إقرار بالذنب.
مساءً، آدم راح بيت سارة لقى باب الشقة مفتوح. دخل لقى سارة بتعيط. على الطاولة كانت فيه رسالة مجهولة المصدر. محتواها كان غامض ومقلق: *"الحب اللي بتبنيه على الأكاذيب هيقع حتمًا. اسأليه عن الليلة اللي قضاها في الفندق قبل شهر."*
آدم اتصدم. "الرسالة دي إيه؟ ومن بعتها؟"
- سارة رفعت عينيها المليانة دموع وغضب. "أنت عارف الإجابة. ليه كذبت عليّا؟ كنت فين الليلة دي؟ قلتلي إنك مسافر شغل، بس اكتشفت إنك ما سبتش المدينة."
آدم حاول يدافع عن نفسه، بس الكلمات علقت في حلقه. كان فعلاً في المدينة الليلة دي، بس كان بيحاول يفاجئ سارة بشراء خاتم الخطوبة من محل بعيد، وما عايز يقولها عشان المفاجأة تكون كاملة. بس ازاي يثبت ده دلوقتي؟ الرسالة المجهولة دمرت مصداقيته.
- "بقسملك إني ما خنتكِ أبداً. كنت بحضر مفاجأة ليكي."
- سارة ضحكت ضحكة مرة. "مفاجأة؟ ولا خيانة؟ مبقيتش عارفة الحقيقة من الكذب يا آدم. كل حاجة حوالينا بقت مشوشة. الناس بتتكلم، الرسائل بتختفي، المواعيد بتتلغي، وأنت بتتصرف بغرابة شديدة."
حاولوا يصلحوا العلاقة مرات كتير. راحوا جلسات استشارة زوجية، حاولوا يقضوا إجازة آخر الأسبوع بعيد عن ضغوط المدينة، بس كل محاولة كانت بتنتهي بفشل ذريع. في الإجازة، آدم لقى موبايل سارة بيرن برقم مجهول. لما ردّت، وشها اتغير لشحوب شديد، وقالت للمتصل: "متتصلش بيا تاني. كل حاجة خلصت."
لما قفلت التليفون، آدم سألها: "مين كان؟"
- سارة بصتله بعينين فاضيين. "واحد عايز يدمر حياتنا. تماماً زيك."
الجملة كانت قاسية ومؤلمة. آدم حس إن الأرض بتتزحزح تحت رجليه. مبقيش عارف الست اللي قدامه دي مين. هل هي سارة اللي حبها طول عمره، ولا شخص تاني بيمثل إنها هي؟
***
الغموض وصل لدرجة ما تتحملش. أحداث غريبة بدأت تحصل حواليهم. عربيات سوداء بتتبعهم في الشوارع. مكالمات تليفونية صامتة في نص الليل. ورقات بتظهر تحت باب بيتهم فيها تهديدات غامضة: *"الوقت بيخلص. افترقوا دلوقتي، وإلا هتندموا."*
ما بلغوش البوليس، لأنهم خافوا يتهموا بالجنون أو المبالغة. حسوا إنهم لوحدهم في مواجهة قوة خفية مش بتتشاف ولا بتتسمع، بس بتلعب بحياتهم بكل سهولة.
في ليلة، آدم وسارة قرروا يتقابلوا في المكان اللي كل حاجة بدأت فيه: المكتبة القديمة. عايزين يتذكروا حبهم الأول، ويلاقوا طريقة يخرجوا من الدوامة المظلمة دي.
قعدوا في نفس الزاوية اللي آدم اعترف فيها بحبه لسارة. الجو كان بارد، والضباب بيغطي شبابيك المكتبة. ما اتكلموش لفترة طويلة. كل واحد غارق في أفكاره وأوجاعه.
في الآخر، آدم كسر الصمت. "سارة، أنا بحبك. مهما حصل، ومهما الناس قالت، ومهما الأدلة المزيفة ظهرت، فأنا عارف في قلبي إنك ما خنتيش. وعايزك تثقي بيا زي ما أنا وثقت بيكي."
سارة بصتله، وعينيها مليانة دموع. "أنا كمان بحبك يا آدم. بس الخوف بياكلني من جوا. حاسس إن فيه عين بتراقبنا، وبتتحكم في خيوط حياتنا. كل خطوة بنخطوها، هي خطوة رسمها لنا حد تاني."
فجأة، الأنوار في المكتبة طفيت. الظلام الدامس حلّ. سمعوا صوت خطوات بتقرب منهم ببطء. خطوات تقيلة ومتأنية.
- "مين هناك؟" آدم صرخ واقف عشان يحمي سارة.
- محدش رد. بس صوت الخطوات وقف قرب مدخل المكتبة.
بعد كده، سمعوا صوت ورقة بتقع على الأرض. آدم شعل فلاش موبايله، لقوا ورقة بيضا على الأرض قدامهم. آدم التقطها بإيد مرتعشة. الورقة فيها صورة ليهم سوا في يوم خطوبتهم المزعوم، بس الصورة كانت معدلة ديجيتال بحيث سارة بتبان وهي بتبوس راجل تاني.
سارة حسّت بالغثيان. "ده مستحيل! الصورة دي مزيفة!"
- آدم قال بصوت محطم: "بس مين يقدر يوصل لصورنا الخاصة ويعملها كده بدقة؟ ومين عايز يؤذينا للحد ده؟"
في اللحظة دي، حسوا إنهم في فيلم رعب نفسي. كل ذكرياتهم الحلوة بقت سلاح بيتستخدم ضدهم. كل لحظة بقت دليل على الخيانة.
قرروا يسيبوا المدينة مؤقتاً. حجزوا تذكرة طيران لبلاد بعيدة، أملًا في يبدأوا من جديد بعيد عن الأجواء المسمومة دي.
في المطار، وهم مستنيين في صالة الانتظار، آدم لاحظ راجل لابس معطف أسود طويل وطاقية واسعة الحواف، واقف في الزاوية البعيدة وبيراقبهم. لما آدم حاول يقرب منه، الراجل اختفى بين الزحمة بسرعة غريبة.
آدم حس بالقشعريرة بتجري في جسمه. همس لسارة: "شفتي الراجل ده؟"
- سارة هزت راسها بخوف. "أيوه. شفته قبل كده. في الشارع، قدام بيتنا، وحتى في المطعم. هو بيتبعنا."
قرروا يلغوا الرحلة. رجعوا البيت وهم في حالة انهيار عصبي كامل. مبقيوش قادرين يفرقوا بين الواقع والخيال، بين الحب والكراهية، بين الحقيقة والكذب.
***
القصة وصلت لذروتها المؤلمة.
في ليلة عاصفة شبه ليلة اعتراف الحب، آدم وسارة اتجمعوا في شقة آدم. الجو كان مشحون بالتوتر والغضب المكبوت.
سارة صرخت: "مش قادرة أتحمّل أكتر! كل يوم بيجي، باكتشف دليل جديد على خيانتك. رسائل، صور، شهود... كل حاجة بتشير إنك بتكدب عليّا!"
- آدم رد بغضب مماثل: "وأنا كمان! لقيت في شنطتك كارت فندق باسم راجل تاني. تفسري ده ازاي؟"
آدم أخرج الكارت من جيبه ورميه على الطاولة. سارة بصتله، وحست بالدوار. ما كانتش عارفة حاجة عن الكارت ده.
- "أنا ما روحتش الفندق ده أبداً! حد بيحط الحاجات دي في حياتنا عشان يفرق بينا!"
- "أكاذيب! كلها أكاذيب!" آدم صرخ، وضرب الطاولة بقوة خلّت الزجاج يهتز.
سارة بصتله نظرة مليانة حزن عميق ويأس. "خسرنا كل حاجة يا آدم. خسرنا ثقتنا، خسرنا حبنا، وخسرنا نفسنا. مابقاش عندنا غير الفراغ والألم."
قعدت على الكنبة وبدأت تعيط بصمت. آدم قعد جنبها، وحط راسه بين إيديه. حس إن قلبه بيتقطع إرب إرب. عايز يحتضنها، بس جسمه رفض يتحرك. الحيطة بينهم كانت عالية أوي، ومبنية من الطوب المسموم بالشكوك.
فجأة، جرس الباب رنّ.
الاثنين اتجمدوا في مكانهم. مين ينفع يزورهم في الوقت المتأخر ده من الليل؟
آدم قام ببطء، وراح للباب. فتحه، ملقاش حد. بس على عتبة الباب، كان فيه صندوق صغير مغلف بورق أسود.
أخد الصندوق ودخل الأوضة. حطّه على الطاولة قدام سارة.
- "ده إيه؟" سارة سألت بصوت ضعيف.
- آدم فتح الصندوق بإيد مرتعشة.
جوه الصندوق، كان فيه موبايل قديم، ومشغل تسجيلات صغير. آدم ضغط على زر التشغيل.
سمعوا صوت راجل غريب، صوت عميق وبارد، بيقول: *"لعبتوا دوركم بشكل ممتاز. الحب بيعمي، والشك أخطر من السيف. دلوقتي، وقت النهاية جه."*
بعد كده، سمعوا صوت ضحكة خفيفة وغامضة بتتلاشى في الهوا.
سارة وآدم حسوا بالرعب بيجري في عروقهم. بصوا لبعض، ولقوا في عين التاني نفس السؤال المرعب: الشخص ده مين؟ وعايز منا إيه؟
قبل ما يقدروا يعملوا حاجة، الأنوار طفيت تاني. وفي الظلام الدامس، سمعوا صوت خطوات داخل الشقة. خطوات متعددة. ناس داخلة بيتهم من غير إذن.
سارة صرخت، وآدم حضنها بقوة، بيحاول يحميها. بس الأصوات قربت منهم، وإيادي غريبة مسكتهم من ورا.
آخر حاجة سمعوها كانت صوت الراجل الغريب بيقول: *"اللعبة خلصت. دلوقتي، هنكشفلكم الحقيقة اللي دفنتها من عشرين سنة."*
بعد كده، الصمت المطلق حلّ.
***
المشهد انتقل ببطء لبرا المبنى. المطر كان بينزل بغزارة، والرعد بيضي السما كل شوية.
على الرصيف المقابل للمبنى، وقف شخص لابس معطف أسود طويل وطاقية واسعة الحواف. وشه كان مختفي في الظلال، بس ابتسامة غامضة كانت باينة على شفاهه.
الشخص أخرج موبايل من جيبه، واتصل برقم مجهول.
- "اتقبض عليهم. المرحلة الأولى خلصت بنجاح."
- صوت جاء من الطرف التاني: "ممتاز. ابدأ المرحلة التانية. وقت كشف الأسرار القديمة جه."
الشخص قفل الموبايل، وباصص لشباك شقة آدم وسارة المظلم. رفع إيده، وفيها صورة قديمة ألوانها باهتة. الصورة كانت لطفل صغير وبنت صغيرة واقفين جنب شجرة التين القديمة. بس المرة دي، ما كانواش آدم وسارة. كانوا طفلين تانيين، شبهينهم بشكل مخيف.
الشخص كتب على ظهر الصورة بخط يدوي أنيق: *"الدائرة بتكمل دايمًا."*
بعد كده، الشخص اختفى في الظلام، سيّب وراه لغز أكبر من إنه يتحل، ومصير مظلم مستني الحبيبين اللي ظنوا إن حبهم أبدي.
المدينة القديمة نامت تاني تحت عباءة الضباب، بس المرة دي، كانت نايمة على سر كبير هيهِزّ أسس كل حاجة آدم وسارة عرفوها عن نفسهم وعن ماضيهم.
يتبع... الجزء الثاني