بين رسالتين وقلب

بين رسالتين وقلب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about بين رسالتين وقلب

بين رسالتين وقلب

في إحدى أمسيات الشتاء الهادئة، كانت ليان تجلس بجوار نافذتها تحتسي كوبًا من القهوة، بينما تتأمل قطرات المطر وهي تنساب على الزجاج. منذ سنوات وهي تعيش حياة هادئة، تعمل في مكتبة صغيرة وتعشق القراءة، لكنها كانت تشعر دائمًا أن جزءًا من قلبها مفقود.

رن هاتفها فجأة، لتجد رسالة من رقم مجهول.

“هل ما زلتِ تتذكرين ذلك الوعد تحت شجرة الياسمين؟”

توقفت أنفاسها للحظة. لم يكن هناك سوى شخص واحد يعرف هذا الوعد... آدم.

قبل سبع سنوات، كان آدم حبها الأول. افترقا عندما اضطر للسفر مع عائلته إلى بلد بعيد، وانقطعت الأخبار بينهما حتى ظنت أنه نسيها تمامًا.

ردّت بتردد: “ومن ينسى وعدًا ظل يسكن القلب كل هذه السنوات؟”

لم تمضِ دقائق حتى جاءها الرد: “أنا في المدينة... وأريد أن أراكِ، إن كان قلبك ما زال يسمح بذلك.”

في اليوم التالي، وقفت ليان أمام المقهى الذي كان يجمعهما قديمًا. كانت يداها ترتجفان، ليس من البرد، بل من رهبة اللقاء.

دخل آدم. كان أكبر قليلًا، وأكثر هدوءًا، لكن ابتسامته بقيت كما هي... تلك الابتسامة التي كانت تمنحها شعورًا بالأمان.

جلسا يتحدثان لساعات. أخبرها أنه حاول كثيرًا الوصول إليها، لكن الظروف والانتقال المتكرر حالا دون ذلك. أما هي، فاعترفت أنها احتفظت بكل الرسائل القديمة، ولم تستطع أن تمنح قلبها لأحد بعده.

قال آدم وهو ينظر في عينيها: “اكتشفت أن النجاح والسفر وكل الأحلام لا تعني شيئًا إذا لم أشاركها مع الشخص الذي أحبه.”

ابتسمت ليان ودموعها تلمع. “وأنا اكتشفت أن بعض الأشخاص لا يغادرون القلب مهما طال الغياب.”

بدأت لقاءاتهما تتكرر. كانا يسيران في الشوارع القديمة، ويزوران الأماكن التي شهدت أجمل ذكرياتهما. وكأن الزمن قرر أن يمنحهما فرصة جديدة.

وفي مساء ربيعي، عاد آدم بها إلى شجرة الياسمين التي شهدت أول اعتراف بالحب.

أخرج خاتمًا بسيطًا وقال: “قبل سنوات وعدتك أن أعود... واليوم عدت لأفي بوعدي. هل تقبلين أن نكمل بقية العمر معًا؟”

اختلطت دموع الفرح بابتسامتها، وأجابت دون تردد: “نعم... لأن الحب الحقيقي لا يعرف نهاية، بل ينتظر اللحظة المناسبة ليبدأ من جديد.”

تفتحت أزهار الياسمين حولهما، وكأن الطبيعة كانت تحتفل بقصة حب قاومت المسافات، وانتظرت الزمن، حتى وجدت طريقها أخيرًا إلى السعادة.مرّت الشهور سريعًا، وتحولت الخطبة إلى استعدادات حقيقية لحفل الزفاف. كانت ليان تشعر لأول مرة أن الحياة تعوضها عن كل سنوات الانتظار، بينما كان آدم يحرص على أن يكون حاضرًا في كل تفاصيل يومها، من اختيار فستان الزفاف إلى ترتيب منزلهما الجديد.

لكن قبل موعد الزفاف بأسبوع، تلقى آدم عرض عمل في دولة أخرى، وهو العرض الذي حلم به لسنوات. كان القرار صعبًا؛ فقبوله يعني تأجيل الزفاف مرة أخرى، ورفضه يعني التخلي عن فرصة قد لا تتكرر.

جلسا معًا في المقهى الذي شهد لقاءهما الأول بعد الفراق. نظر آدم إليها وقال: “لا أريد أن أكرر الماضي... لا أريد أن أفترق عنك مرة ثانية.”

ابتسمت ليان بهدوء وأمسكت بيده. “الحب الذي صمد سبع سنوات لن يهزمه سفر بضعة أشهر. هذه المرة لن نترك الظروف تقرّر مصيرنا.”

كانت كلماتها كفيلة بأن تمنحه الطمأنينة. قررا أن يتم عقد قرانهما قبل السفر، ثم تسافر ليان إليه بعد أن تنهي بعض التزاماتها.

جاء يوم الزفاف بسيطًا، لكنه كان مليئًا بالمحبة. حضر الأهل والأصدقاء، وتعالت الضحكات، بينما كانت شجرة الياسمين تزين مدخل الحديقة، وكأنها شاهدة على كل فصل من حكايتهما.

بعد أشهر، وصلت ليان إلى المدينة الجديدة. كان آدم في انتظارها بالمطار، يحمل باقة من الياسمين الأبيض.

قال مبتسمًا: “هذه المرة لن أتركك تنتظرين.”

ضحكت وهي تحتضنه: “ولا أنا سأسمح للمسافات أن تسرقنا من جديد.”

بدأت حياتهما الجديدة مليئة بالتحديات، لكنهما واجهاها معًا. كانا يؤمنان أن الحب ليس في الكلمات الجميلة فقط، بل في المشاركة، والصبر، والوفاء بالوعود.

وفي كل عام، في ذكرى لقائهما الأول، كانا يزوران حديقة صغيرة ويزرعان شتلة ياسمين جديدة، حتى أصبحت الحديقة بعد سنوات مليئة بالأزهار البيضاء.

وعندما سألتهما طفلتهما الصغيرة يومًا: “لماذا تحبان الياسمين إلى هذا الحد؟”

ابتسم آدم ونظر إلى ليان، ثم قال: “لأن بعض الزهور تشبه الحب الحقيقي... قد يتأخر تفتحها، لكنها عندما تزهر، تملأ الحياة كلها بالعطر.”

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
قصص واقعيه تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

1

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-