لاجئة داخل قلبى
مقدمة

أنا نور، ولكل نور حكاية.. وحكايتي لم تنتهى، بل توقفت عند اللحظة التي أدركت فيها أنني أصبحت لاجئة داخل قلبي.
لم ينتزعني محتل خارجي من بيتي، بل فعلها آدم. ترك لي الجدران، لكنه سلب الأمن. لم يقتلني، بل زرع في روحي خوفاً أبدياً من الغد، ونوستالجيا حارقة لامرأة لم أعد أذكرها.
هذا الغطاء الذي أرتديه ليس للجمال، بل لأنه آخر حدودي الشخصية الباقية؛ درعي ضد كل عين تحاول قراءة الخراب المستوطن خلفها. عيناي فقط تراقبان، لكنهما لا تثقان.
كنت أظن أنني قادرة على المقاومة، حتى ظهر يوسف. هو يحمل بيديه مفاتيح التحرير، لكني أخشى أن فتح الباب يعني السماح له برؤية الأشلاء المتبقية من الوطن المحتل بالداخل.
يقال إن القلب أول وطن يحتل.. وأنا أقول: ربما يكون التحرير هو آخر قرار نملكه. فهل أستطيع أن أتحرر من أثره يوما، أم أصبح الحزن هو وطني الأخير؟
الفصل الأول: الباب الذي لا يُفتح
لم أعد أتذكر متى بدأت أشعر بهذا الثقل.
هل كان بعد الرحيل مباشرة؟
أم بعد أول ليلة مرّت دون صوتٍ أعرفه؟
كل ما أعلمه… أنني استيقظت يومًا، وكأن شيئًا بداخلي قد أُطفئ إلى الأبد.
أتحرك كعادتي، أرتدي ملابسي، أُرتّب شعري، وأخرج إلى العالم،
لكنني في الحقيقة… لا أغادر مكاني.
هناك جزء مني لا يزال عالقًا، جالسًا في نفس اللحظة،
ينتظر شيئًا لن يحدث.
الناس يمرّون بجانبي، يتحدثون، يضحكون، يتذمرون من أشياء تافهة،
وأنا أراقبهم بصمت…
كأنني أشاهد فيلمًا لا أنتمي إليه.
لم أعد أثق في الوجوه.
كل وجهٍ يبدو مؤقتًا،
كل كلمةٍ تحمل احتمال الخداع،
وكل اقتراب… إنذار جديد.
في ذلك اليوم، لم يكن مختلفًا كثيرًا.
أو هكذا ظننت.
كنت جالسة في مكاني المعتاد، في الزاوية البعيدة من المقهى،
حيث لا يلاحظني أحد،
وحيث يمكنني مراقبة الجميع دون أن أُرى.
أمسك فنجان القهوة بيدي، ليس لأنني أريد أن أشرب،
بل لأنني أحتاج شيئًا أتشبث به.
حينها… جلس هو.
لم يطلب الإذن،
ولم يتردد،
كأنه يعرفني منذ زمن.
رفعت عيني ببطء،
فالتقت بعينيه.
كان هادئًا بشكل غريب،
لا يحمل ذلك الفضول المزعج الذي اعتدته من الآخرين،
ولا تلك النظرة التي تحاول اختراقي.
فقط… نظر.
وكأنّه يرى،
لكن لا يحاكم.
“نور؟”
نطق اسمي وكأنه لم يتعلمه الآن،
بل تذكّره.
تجمّدت ملامحي.
لم أسأله كيف عرفني،
ولم أُنكر.
فقط… شعرت بذلك القلق القديم يعود،
كأن بابًا مغلقًا منذ سنوات… قد تحرك قليلاً.
“أنا يوسف.”
قالها ببساطة،
لكن اسمه لم يكن بسيطًا في داخلي.
يوسف…
كأن الاسم يحمل وعدًا،
أو ربما تهديدًا.
لم نتحدث كثيرًا في البداية.
هو لم يحاول الاقتراب،
وأنا لم أسمح.
لكن الصمت بيننا لم يكن مريحًا…
ولا مزعجًا.
كان… صادقًا.
وذلك أخافني أكثر من أي شيء.
لأن الصدق،
هو أكثر الأشياء قدرةً على كسرنا.
منذ ذلك اليوم، بدأ يظهر.
في نفس المكان،
في نفس الوقت تقريبًا.
لم يسألني عن ماضيّ،
ولم يحاول اقتحام عالمي،
لكنه… لم يختفِ.
وكأن وجوده رسالة مستمرة:
“أنا هنا… سواء أردتِ أم لا.”
عدت إلى المنزل تلك الليلة،
وأنا أشعر بشيء لم أشعر به منذ زمن.
لم يكن راحة…
ولا سعادة.
كان… اضطرابًا.
وقفت أمام المرآة،
أنظر إلى وجهي طويلًا.
هل تغيّرت؟
أم أن شيئًا داخلي بدأ يستيقظ؟
لم أعرف الإجابة.
لكنني عرفت شيئًا واحدًا…
ذلك الباب الذي أغلقتُه بإحكام،
والذي أقسمت ألا يُفتح مرة أخرى…
لم يعد ثابتًا كما كان.