الذاكرة المفقودة - تشويق نفسي
" الذاكرة المفقودة "
الفصل الأول: الاستيقاظ في الظلام
رائحة الغبار والعفن كانت أول ما استعادته حواسه، تليها برودة لاذعة تسلل عبر قميصه الممزق لتخترق عظامه.
فتح عينيه ببطء، لكن الظلام كان داكناً لدرجة جعلته يشك إن كانتا مفتوحتين أصلاً. حاول أن يحرك ذراعه، فاصطدم كتفه بسطح صلب ضيق. كان محشوراً في مكان ما... صندوق سيارة؟ مستودع مهجور؟
عقله كان صفحة بيضاء ناصعة البياض. لا اسم، لا ماء، لا وجه يتبادر إلى ذهنه حين حاول تذكر من يكون. مجرد فراغ مرعب.
جلس مفزوعاً وهو يلهث، ليصطدم رأسه بسقف منخفض جعله يطلق أنّة ألم مكتومة. مدّ يده المرتجفة يتحسس المكان؛ جدران خرسانية باردة ورطبة، ورائحة حديد خفيفة تشبه رائحة... الدم.
أدخل يده في جيب بنطاله ببطء، عسى أن يجد شيئاً يشرح له هذا الكابوس. أصابعه اصطدمت بشيء معدني بارد. أخرجه بحذر؛ كان مفتاح سيارة فاخرة تحمل شعاراً لامعاً لا يعرفه، وإلى جانبه هاتف محمول بشاشة مهشمة تماماً لكن مصباح الإشعار الصغير فيه كان يومض بضوء أحمر متقطع.
وبأصابع ترتجف رعباً، ضغط على زر الطاقة في الهاتف. أضاءت الشاشة لتعرض رسالة نصية واحدة غير مكتملة، مرسلة من رقم مجهول:
"إن وجدتكَ طوق النجاة... فاعلم أنهم يعرفون أين أنت الآن. اهرب فوراً ولا تبط..."
قبل أن يستوعب الكلمات، تردد صدى صوت خطوات ثقيلة تقترب ببطء من المكان... وصوت قفل معدني يتحرك في الخارج.
الفصل الثاني: مفتاح النجاة
انقبض قلبه في صدروه، وصوت خطوات أقدامهم خارج الغرفة أصبح أقرب لقرع الطبول في رأسه الفارغ من الذكريات. لم يعد هناك وقت للتفكير أو محاولة تجميع شتات عقله؛ الخطر حقيقي وقائم على بعد خطوات قليلة منه.
تحرك بسرعة وسلط وميض هاتفه المهشم ليتبين ملامح المكان. كانت غرفة خدمات تحت الأرض، أرفدتها جدران إسمنتية متقشفة وباب حديدي صدئ بدأ المقبض فيه بالتحرك إعلاناً بفتح القفل.
لم يتردد. اندفع نحو الباب الموارب بقوة دافعاً إياه بكتفه، ليجد نفسه في مرآب سيارات تحت الأرض تنبعث منه رائحة العوادم ورطوبة الأسفلت. الصدى يتردد في المكان المظلم، وأمام مباشرة وقف مذهولاً أمام سيارة سوداء فارهة تومض أضواؤها الخافتة وكأنها كانت تنتظره.
أخرج المفتاح المعدني الذي عثر عليه في جيبه وضغط زر الفتح دون أن يدرك كيف عرف وظيفته بالفطرة. ارتفع صوت نقرة إلكترونية مألوفة من السيارة، فانفتح بابها الجانبي على مصراعيه وكأنها تدعوه للفرار.
ألقى نظرة سريعة خلفه؛ انفتح الباب الحديدي للغرفة وظهرت ظلال شخصين ملثمين يلوحان بأضواء كشافات قوية تبحث عنه في العتمة، وصاح أحدهما بصوت غليظ:
"انه هناك! لا تدعوه يهرب بالسيارة!"
قفز إلى داخل السيارة وأغلق الباب بعنف، وأدخل المفتاح في مكان التشغيل ويداه ترتجفان بشدة لدرجة أخطأت فتحة المفتاح في المرة الأولى. أدار المحرك فزأر بصوت مكتوم يهز المقاعد، وضغط بقدمه على دواسة الوقود بكل قوة.
انطلقت السيارة مطاردةً المنحدر الخرساني الصاعد بسرعة جنونية، وتناثر الغبار والحجارة من تحت الإطارات بينما انطلقت خلفه طلقات نارية اصطدمت بالمؤخرة المظلمة للسيارة محدثة صوتاً مرعباً كسر زجاج النافذة الخلفية.
اخترق بوابه المرآب الخشبية المتهالكة لتتطاير أشلاؤها في الهواء، ويجد نفسه فجأة تحت ضوء شمس النهار القوي الذي أعمى بصره المؤقت وجعله يضغط على الفرامل بقوة وسط شارع رئيسي مزدحم ومجهول تماماً بالنسبة له.
وهناك، بينما كان يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة وقلبه يكاد يخترق ضلوعه، التفت ليرى وجهه منعكساً بوضوح على مرآة السيارة الداخلية... وهنا كانت الصدمة الكبرى: الوجه الذي ينظر إليه لم يكن لشاب مجهول، بل كان وجه رجل أعمال شهير أعلنت قنوات الأخبار قبل أيام عن وفاته المفاجئة في حادث حريق غامض!

please login to be able to comment