الأطباق الطائرة بين الحقيقة والخيال (الجزء السادس والاخير)
الأطباق الطائرة بين الحقيقة والخيال (الجزء السادس عشر والاخير)

نبذة مختصرة
سمعنا كثيرا عن معاهدات واتفاقيات وتبادل معارف وعلوم بين سكان جوف الارض أو الفضائيين والبشر في بعض الدول المتقدمة وهذة إحداها.
دوّت صفارات الإنذار في أرجاء المدينة، كأنها صرخة رعب جماعية تشق سكون الليل. لم تكن مجرد صفارات عادية، بل كانت نداءً مرعباً يعلن أن السماء لم تعد ملكاً للبشر. في تلك اللحظة، تحولت السماء المظلمة إلى لوحة مرعبة تموج بأضواء حمراء وزرقاء خافتة، حيث بدأت الأطباق الطائرة تظهر بأعداد مهولة، مغطيةً النجوم كأنها جراد تكنولوجي يبتلع الأفق. هكذا انقشع الغبار عن بداية الجزء السادس عشر، جزء الحسم والأنفاس المحبوسة.
في المقابل، وداخل غرفة القيادة الفضائية المركزية في باطن الأرض، كان القادة الفضائيون في حالة من الغليان. لقد أدركوا الكارثة: الأصدقاء الأربعة قد هربوا! لم يكن هؤلاء الأربعة مجرد أسرى عاديين، بل كانوا "المفاتيح المستنسخة"، القادة الذين جرى تعديلهم جينياً وتدريبهم تكنولوجياً ليكونوا الأداة التي سيُسيطر بها الفضائيون على كوكب الأرض وباقي كواكب المجرة. صرخ القائد الأعلى بغضب، وأصدر أمراً فورياً بنشر أجهزة التتبع والرصد المتقدمة. انطلقت مجسات دقيقة تشبه الحشرات الإلكترونية، تخترق الغلاف الجوي وتبحث عن الترددات الحيوية الفريدة للأصدقاء الأربعة.
لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة حتى أضاءت شاشات الرادار الفضائية بنقطة وميض ثابتة. لقد حددت الأجهزة موقعهم بدقة: إنهم في بيت عمر.
أجمع القادة الفضائيون أمرهم على الفور. لن يفرطوا في مشروعهم التاريخي. صدرت الأوامر العسكرية الصارمة إلى الجيوش الفضائية المستنسخة بالتحرك العاجل. في ثوانٍ، هبطت الأطباق الطائرة وحاصرت المدينة من جميع الجهات، مشكلةً جداراً من الفولاذ والطاقة الحارقة. وبثت المركبة الأم رسالة تهديد مرعبة هزت جدران المدينة: "سلموا الأصدقاء الأربعة في غضون دقائق، أو سنمحي مدينتكم من الوجود".
شعر الجميع بالرعب، لكن عمر لم يعرف الخوف سبيلاً لقلبه في تلك اللحظة الحرجة. نظر إلى أصدقائه الأربعة، وتملكه إصرار دافق. صرخ عمر بأعلى صوته متحدياً الأطباق وموجهاً كلامه للأصدقاء: "إلى الأطباق! كل واحد إلى طبقه فوراً!".
اندفع الأصدقاء الأربعة نحو الأطباق الفضائية التي هربوا بها، وصعدوا بسرعة البرق نحو السماء، مخترقين جدار الحصار العسكري. كانت المغامرة خطيرة، فالجيوش الفضائية تحيط بهم من كل جانب، لكن الأصدقاء كانوا يملكون سلاحاً سرياً لم يحسب له القادة الفضائيون حساباً. بمجرد أن توسطوا الجيوش، بدأ كل واحد من الأصدقاء الأربعة في إرسال ذبذبات التخاطر الذهني المعقدة التي تدربوا عليها طويلاً. وجهوا هذه الذبذبات مباشرة إلى نسخهم المستنسخة التي تقود الجيوش الفضائية.
كانت المفاجأة الصاعقة للقادة الفضائيين أن تلك النسخ استجابت على الفور؛ فهم يعلمون يقيناً أن هؤلاء الأربعة هم قادتهم الشرعيون ومصدر شفرتهم الجينية. التفت الجيوش المستنسخة ضد أوامر القيادة العليا، وبدلاً من تدمير المدينة، استدارت وحاصرت مركبات القادة الفضائيين أنفسهم! وتحت ضغط القوة العسكرية التابعة لهم، أُرغم القادة الفضائيون على الهبوط والاستسلام. هبطت المركبات الملكية ببطء في فناء المنزل، وترجل منها القادة الفضائيون بملامح يكسوها الذهول والانكسار، ودخلوا إلى بيت عمر لعقد مفاوضات عاجلة.
داخل البيت، كان التوتر سيد الموقف. وقف عمر بثبات، وصاح في وجه كبير الفضائيين بصوت جهوري: "أنتم تسكنون باطن الأرض منذ آلاف السنين، ولديكم حضارة وتكنولوجيا متقدمة لا مثيل لها، وتعيشون في سلام تام! فلماذا تريدون احتلال الأرض وباقي الكواكب؟ لِماذا كل هذا الطمع والغرور وحب الذات؟!".
ساد الصمت لبرهة، قبل أن يتنهد كبير الفضائيين، ويسند رأسه الضخم بأسى، قائلاً بنبرة هادئة غير متوقعة: "نحن لا نريد الاحتلال العسكري بغرض الإبادة، بل كنا نريد المساعدة، وأن يستفيد كل طرف منا بما لدى الآخر من تقدم ومعرفة".
لم يقتنع عمر بالتبرير، فصاح مقاطعاً بغضب: "إن كان هذا قصدكم الحقيقي، فلماذا حشد الجيوش؟ ولماذا عمليات الاستنساخ والتهديدات بمسح مدينتنا؟".
أطرق كبير الفضائيين رأسه وقال بكشف صادم: "إننا نواجه مشكلة وجودية خطيرة في التكاثر، جنسنا ينقرض ببطء، وهذا ما دفعنا إلى الاستنساخ وخلق قادة مثل أصدقائك. أما الجيوش والتهديدات، فقد كانت وسيلتنا اليائسة لفرض المنفعة المتبادلة وحمايتها بالقوة، لأننا ظننا أن البشر لن يقبلوا بنا".
هنا لمعت في عينَي عمر فكرة لإنقاذ الكوكبين. نظر إلى كبير الفضائيين وقال بنبرة حاسمة وصارمة: "إن كان هذا هو هدفكم حقاً، فلنكتب معاهدة سلام علنية بيننا، تقوم على تبادل المعارف والتكنولوجيا، ومساعدة كل طرف للآخر في حدود استقلال كل شعب بأرضه وسيادته، دون ترهيب أو احتلال".
تلاقت الأعين، وأدرك الفضائيون أن السلام هو المخرج الوحيد. جُلبت الأوراق والاتفاقيات التكنولوجية، وتم صياغة المعاهدة التاريخية وتوضيح بنودها بدقة، ومضى عليها عمر والأصدقاء وقادة الفضائيين.
ومع توقيع آخر بند، انسحبت الجيوش الفضائية بسلام، وصعدت الأطباق الطائرة عائدة إلى موطنها في باطن الأرض، ليس كغزاة، بل كحلفاء. تنفس العالم الصعداء، وعمّ الأمان أرجاء الكوكب بعد أن تلاشت نذر الحرب، وعاش العالم في سلام تام. وإلى هنا، تنتهي قصة الأطباق الطائرة التي حلمت يوماً بالسيطرة، فتروضت بحكمة البشر.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق