ليلة الامتحان و ما أدراك ما ليلة الامتحان
「 ليلة الامتحان وما أدراك ما ليلة الامتحان 」
لم يكن يخاف من الامتحان نفسه، بل من اليوم الذي يسبقه.
كان عبدالله في كل ليلة تسبق الامتحان مباشرة يحدق في صفحات الكتاب ، ثم ينظر إلى الساعة وكأنها كالضوء في سرعة إنقضائها .

كل هذا التوتر و الضغط كان بسبب أنه كان يفكر في مراجعة كل امتحان سابق لهذ الامتحان طوال الأسبوع و لا يستطيع المذاكرة حتى يصل إلى ليلة الامتحان التي كان يفتح فيها الكتاب لأول مرة ؛ مما يؤدي إلى عدم قراءة المنهج بالكامل ، وبالتالي كان يذهب إلى الامتحان بدون المعلومات الكافية المفترض عليه معرفتها ، ولكن أكثر شيء كان يسبب له التوتر هو آمال أهله المعلقة على كتفيه ، و نظرة الناس التي كانت تنتظر سقوطه في أي لحظة . حيث كانت الأحاديث لا تدور إلا حول الدرجات ، وأصعب الامتحانات .
كان صديقه يوسف يقول دائمًا:
"إحنا مش بنذاكر عشان الامتحان... إحنا بنذاكر عشان نثبت إننا نقدر."
كان عبدالله يهز رأسه ويبتسم، لكنه في داخله كان يسأل نفسه:"ولو مقدرتش... هل ده معناه إني فشلت؟"
في صباح ذلك اليوم، وقبل أن يدخل قاعة الامتحان، توقف عبدالله أمام المرآة في دهليز المدرسة. نظر إلى وجهه الشاحب وعينيه المنتفختين، وقال لنفسه بصوت مسموع بالكاد: “لو نجحت أو فشلت... أنا لست الامتحان.”
كانت هذه أول مرة يعترف فيها بأنه أكثر من مجرد درجة، وأن هناك حياة خارج جداول التقديرات، وأن الضغط الذي يعيشه ليس كل شيء ، ثم دخل القاعة، وجلس ، و فتح الورقة، وبدأ يكتب ما يعرفه . لم يكن يعرف كل شيء، لكنه كان يعرف أنه حاول. وعندما رفع رأسه في نهاية الوقت، لم يشعر بالنصر، ولم يشعر بالهزيمة. شعر فقط أنه نجا من ليلة أخرى . كانت هي الأخطر في حياته، لكنها لم تكن الأخيرة ، ثم عاد إلى المنزل، فتح الباب، فوجد أمه تقف في المطبخ تشم رائحة الطعام، ووجد والده جالساً يشرب الشاي أمام التلفاز. قال والده دون أن يلتفت: “إيه أخبار الامتحان؟ كان صعب؟”
تنفس عبدالله بعمق، وجلس أمام والده. قال بصوت هادئ ولكن واضح: “يا بابا... أنا مش هجيب درجة عالية في الامتحان ده.”
نظر إليه والده بنظرة لم يفهمها عبدالله في البداية. كانت نظرة ليست غاضبة، وليست خائبة. كانت نظرة متفاجئة.
قال والده: “ليه؟ إنت كنت بتذاكر طول الأسبوع، أنا شايف نور أوضتك شغال.”
هنا، تردد عبدالله للحظة، لكنه قرر أن يقول الحقيقة كاملة:
“بابا... أنا بصراحة ما بذاكرش طول الأسبوع. أنا بفضل أفكر في الامتحان والخوف منه طول الأسبوع، وبفتح الكتاب أول مرة في ليلة الامتحان. وكل سنة بعمل كده، وكل سنة بدخل الامتحان نص نص. لكن النهاردة، قررت أقول الحقيقة. أنا مش عايز أعيش بقناع الطالب المثالي.”
سكتت الغرفة. سمع صوت أمه وهي توقف تقطيع الخضار في المطبخ ، نظر والده إلى فنجان الشاي، ثم رفع عينيه إلى ابنه. وقال بكلمات لم يتوقعها عبدالله أبداً: “أنا عارف يا ابني.”
اندهش عبدالله: “أيه؟!”
“أنا عارف إنت بتعمل إيه من زمان. أمك وأنا مش عميان. بس كنا ساكتين عشان متحسش إننا ضاغطين عليك أكتر. بس أنا كنت ناوي أجي أكلمك النهاردة. إنت مش مطالب إنك تكون عبقري. إنت مطالب إنك تكون صادق مع نفسك أولاً.”
لم يستطع عبدالله تمالك نفسه. انهمرت دموعه التي جفت منذ سنوات. بكى كطفل صغير في حضن والده الذي لم يعتاد العناق، لكنه احتضنه بقوة هذه المرة.
في تلك الليلة، لم تكن ليلة امتحان. كانت ليلة تصالح. نام عبدالله مبكراً دون أن يفتح كتاباً، لكنه كان يعرف أن غداً سيكون مختلفاً.