حكايات روني / الغريب الذي خرج من البحر .

حكايات روني / الغريب الذي خرج من البحر .

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

حكايات روني / الغريب الذي خرج من البحر .(الفصل الأول)

 

تنويه:

 هذه رواية خيالية من وحي الخيال، 

لا تستند إلى أحداث أو شخصيات حقيقية، 

وكُتبت بغرض المتعة والتشويق فقط.

 نتمنى لك رحلة ممتعة بين صفحاتها.

 

 

الفصل الأول: الغريب

 أول حاجة حسيت بيها... إني كنت هغرق.

 دخلت المياه المالحة إلى فمي وأنا ألهث بعنف،

 أحاول أن ألتقط أي نفس قبل أن تبتلعني الأمواج مرة أخرى.

 لوّحت بيدي في الهواء بجنون.

 صرخت...

 لكن البحر ابتلع صوتي كما ابتلع جسدي.

 وقبل أن أغرق تمامًا... 

أمسكت يدٌ قوية بذراعي.

 ثم أخرى.

 وشعرت بمن يسحبني بعنف إلى أعلى. 

سعلت بقوة،

 وأنا أفرغ الماء من صدري،

 ثم فتحت عيني بصعوبة. 

لم أرَ سقف مستشفى... 

ولا شاطئًا...

 بل وجوهًا غريبة تحيط بي. 

 

 

رجال ضخام. 

لحاهم كثيفة. 

ملابسهم من الفرو والجلود. 

يقفون فوق سفينة خشبية ضخمة،

 تتمايل مع الأمواج.

 كانت عشرات المجاديف تضرب البحر في وقت واحد... 

دُم... دُم... دُم...

 كأنها قلبٌ واحد. 

حدقوا بي في صمت...

 وحدقت فيهم أنا أيضًا.

 وفي تلك اللحظة...

 أدرك كل طرف منا حقيقة واحدة... 

أن هذا الغريب لا ينتمي إلى عالمنا.

 

 

 

لم يتحرك أحد. 

ظل الرجال ينظرون إليّ كما لو أنني أنا الشيء الغريب...

 لا هم.

 لم أكن أعرف ماذا أفعل. 

ابتسمت ابتسامة صغيرة، 

لا أعرف لماذا ظننت أنها قد تساعد. 

لم تساعد. 

تقدم الرجل الأكبر سنًا حتى أصبح أمامي مباشرة.

 كانت عيناه حادتين بشكل أربكني.

 نظر إلى وجهي...

 ثم إلى ملابسي...

 ثم أمسك بطرف التيشيرت بين إصبعيه، 

وكأنه لم يرَ قماشًا كهذا من قبل. 

لفت نظره إلى الشعار المطبوع عليه. 

مرر إصبعه فوقه ببطء. 

ثم نظر إلى الرجال خلفه وقال شيئًا بلغتهم. 

في لحظة... 

 

 

 

تقدّم اثنان آخران. 

أحدهما لمس حذائي بحذر.

 والآخر أخذ يدور 

حولي، 

يراقبني من كل الجهات.

 شعرت للحظة أنني لست إنسانًا...

 بل حيوان غريب معروض أمامهم. 

رفعت يدي ببطء. 

وأشرت إلى صدري. 

"روني."

 لم تظهر أي ردّة فعل. 

كررتها مرة أخرى.

 "روني." 

نظر الرجل الأكبر إليّ للحظات...

 ثم وضع يده على صدره وقال كلمة قصيرة.

 لم أفهمها.

 لكنه كان يعرّفني بنفسه.

 ابتسمت دون قصد. 

أخيرًا...

 فيه حد بيحاول يفهم. 

أشرت إليه مرة أخرى.

 فكرر الكلمة نفسها.

 ثم أشار إليّ منتظرًا.

 قلت بابتسامة متوترة:

 "روني." 

هز رأسه ببطء.

 ولأول مرة...

 رأيت على وجهه شيئًا يشبه الارتياح.

 ربما أدرك أنني لا أشكل خطرًا. وربما... كان يظن أنني مجرد أحمق.

 لا ألومه. لو كنت مكانه، ورأيت شابًا يظهر فجأة من قلب البحر بملابس لم أرَ مثلها من قبل...

 لشككت في عقله أنا أيضًا.

 قطع أفكاري صوتٌ عميق انطلق من مقدمة السفينة. 

التفت الجميع في اللحظة نفسها. 

لم يتأخر أحد. تحرك الرجال إلى أماكنهم بسرعة، 

كأن كل واحد يعرف دوره قبل أن يُطلب منه.

 اصطفت المجاديف على جانبي السفينة.

 ثم... 

ضربت الماء معًا. مرة واحدة. 

اهتزت السفينة بقوة.

 ثم تكرر الصوت. 

ومرة أخرى.

 حتى صار الإيقاع ثابتًا... 

كأنه نبض قلبٍ عملاق يشق البحر. 

جلست في مكاني أراقبهم.

 لا أحد يصرخ. لا أحد يتكاسل. ولا أحد يحاول أن يكون بطلًا.

 كل واحد منهم كان جزءًا من شيء أكبر منه.

 رفعت بصري نحو الأفق. 

البحر لا ينتهي. 

والسماء رمادية. 

والهواء بارد.

 ولأول مرة منذ فتحت عيني... 

بدأ سؤال واحد يطاردني.

 انا فين ؟

 

 

 

 

لم أعد أشعر بالوقت. 

كل ما كنت أعرفه أن السفينة لا تتوقف،

 وأن البحر بدأ يتغير. 

الأمواج أصبحت أهدأ. 

والهواء صار يحمل رائحة مختلفة... 

رائحة خشب محترق ودخان.

 رفعت رأسي نحو الأفق. 

في البداية ظننتها مجرد صخور. 

لكن مع اقتراب السفينة...

 بدأت الملامح تظهر بوضوح. 

بيوت خشبية متراصة على امتداد الساحل. 

أعمدة طويلة ارتفعت نحو السماء،

 تتدلى منها رايات تتحرك مع الرياح.

 وعشرات السفن الراسية على الشاطئ، 

بعضها أكبر من السفينة التي أقف عليها.

 وقبل أن أسأل نفسي أين أنا...

 دوّى صوت بوقٍ ضخم. 

اهتز له البحر.

 رفع جميع الرجال رؤوسهم في اللحظة نفسها.

 ثم... 

ابتسموا. 

كانت أول مرة أرى الابتسامة على وجوههم منذ أن استيقظت. 

بعدها بدقائق...

 بدأت تظهر ملامح الناس على الشاطئ. 

رجال. نساء. أطفال. كانوا يركضون نحو الميناء، 

وكأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة منذ زمن. 

ما إن اقتربت السفينة حتى ارتفعت أصواتهم بالهتاف. 

لم أفهم كلمة واحدة...

 لكن لم أكن بحاجة إلى فهمها. 

الفرحة تُفهم دون ترجمة. 

بدأ المحاربون يرفعون فؤوسهم في الهواء، 

ويردون الهتاف بهتافٍ أعلى. 

كانت لحظة انتصار... 

ولحظة عودة إلى الوطن. 

أما أنا...

 فكنت أقف بينهم كأنني خطأ مطبعي في كتاب قديم. 

توقفت السفينة أخيرًا.

 أُلقيت الحبال.

 وقفز الرجال إلى الرصيف الواحد تلو الآخر.

 ثم بدأوا في إنزال الصناديق والخشب والأسلحة والغنائم التي عادوا بها.

 كنت أراقب كل شيء في صمت.

 إلى أن شعرت بشخص يقف خلفي.

 التفت.

 كان الرجل الكبير الذي حاول التحدث معي في البحر. 

أشار بيده أن أنزل من السفينة.

 ترددت.

 نظر إليّ مرة أخرى.

 هذه المرة لم تكن نظرة تهديد... 

بل كانت نظرة حاسمة. 

نزلت ببطء.

 وما إن لامست قدماي الأرض...

 حتى ساد صمت غريب. 

اختفت الهتافات. 

واختفت الضحكات. 

كل العيون...

 اتجهت نحوي. 

تجمدت في مكاني. 

رجل عجوز اقترب وهو يحدق في وجهي. 

امرأة أمسكت طفلها وسحبته خلفها. 

وبعض المحاربين وضعوا أيديهم على مقابض سيوفهم من جديد.

 كان واضحًا أن خبر عودتهم لم يكن أغرب ما حدث اليوم...

 بل أنا.

 اقترب العجوز أكثر. 

نظر في عيني مباشرة. 

ثم رفع يده ببطء... 

ولمس وجهي،

 كأنه يتأكد أنني حقيقي.

 بعدها التفت إلى الجميع... 

وقال جملة قصيرة. 

في اللحظة نفسها... 

تغيّرت تعابير وجوههم جميعًا.

 بعضهم تراجع خطوة. 

وبعضهم رسم علامة غريبة على صدره.

 أما الرجل الذي أنقذني من البحر...

 فأمسك كتفي بقوة. 

ونظر إلى العجوز...

 وكأنه ينتظر قرارًا سيغيّر مصيري. 

أما أنا...

 فلم أفهم شيئًا. 

لكنني أدركت شيئًا واحدًا فقط...

 أنني لم أعد مجرد غريب... 

بل أصبحت مشكلة.

يتبع…

 

 

image about حكايات روني / الغريب الذي خرج من البحر .

 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد جمال تقييم 4.94 من 5. حقق

$0.12

آخر 30 يومًا
المقالات

12

متابعهم

3

متابعهم

1

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-