​شرارة في العتمة: عندما تصنع قسوة الآباء تحدي الأبناء

​شرارة في العتمة: عندما تصنع قسوة الآباء تحدي الأبناء

تقييم 5 من 5.
4 المراجعات
image about ​شرارة في العتمة: عندما تصنع قسوة الآباء تحدي الأبناء

الفصل الأول: قيود في بيت العائلة

​في غرفته الصغيرة، كان "محمد" البالغ من العمر اثني عشر عاماً ينظر بفخر إلى شهادة الصف السادس الابتدائي. الرقم "%95" كان يلمع باللون الأحمر، وهو رقم جاء بعد سهر وتعب طويل لصبي لم يكن يملك عبقرية فذة، لكنه كان يملك روحاً تكره الفشل وتتحداه. طار محمد بالشهادة إلى والده "عبد الله"، يحدوه الأمل في أن يسمع كلمة ثناء واحدة، أو يرى ابتسامة رضا.

​لكن "عبد الله" كان رجلاً قاسي الملامح، لا يرى في النجاح إلا فرض عين، ولا يرى في ابن متوسط المستوى إلا مشروعاً يحتاج للضغط الدائم. نظر الأب للشهادة برود، ثم ألقاها على الطاولة قائلاً بلهجة حادة: "وابن عمك جاب كام؟ وابن صاحبنا فلان جاب 99%! الـ 5% اللي ضاعت دي ضاعت في اللعب.. إنت لسه معملتش حاجة!".

​سقطت الكلمات كالصخر على قلب محمد. لم يكن الأب يعلم أن المقارنات المستمرة وسياط النقد كانت تقتل ببطء الشغف في قلب ابنه.

image about ​شرارة في العتمة: عندما تصنع قسوة الآباء تحدي الأبناء

 

الفصل الثاني: السقوط في بئر العزلة

​مع دخول مرحلة الشهادة الإعدادية، تحول الضغط المستمر من الأب إلى طاقة سلبية التهمت كل رغبة لدى محمد في الاستمرار. بدأ مستواه الدراسي يتراجع، ولم يعد ذلك الفتى الاجتماعي الذي يلتف حوله الأصدقاء.

​انسحب محمد من محيطه بالتدريج، وأصبح شخصاً انطوائياً يفضل العتمة والجدران الأربعة على الخروج ومواجهة العالم الذي يقارنه دائماً بالآخرين. تسرب اليأس إلى روحه، ووقع في فخ الفشل الدراسي والنفسي، حتى ظن الجميع أن شعلته قد انطفأت تماماً.

​جاءت نتيجة الشهادة الإعدادية: 245 من 280.

بالنسبة لمحمد في تلك الحالة النفسية، كان هذا الإنجاز معجزة، لكن بالنسبة للأب "عبد الله"، كانت هذه النتيجة القشة التي قصمت ظهر البعير. صرخ الأب في وجهه: "مفيش ثانوي عام! التعليم ده مش ليك، إنت آخرك دبلوم وتشتغل أي حاجة، أنا مش هضيع فلوسي على واحد فاشل".

​وهنا، ظهر طوق النجاة الوحيد. تدخلت الأم، التي كانت تنظر إلى عيني محمد وترى فيهما وميضاً لم ينطفئ بعد. وقفت أمام الأب وقالت بثبات: "محمد هيدخل ثانوي، وأنا اللي هضمنه.. أنا شايفة في ابني أمل، وعارفة إنه هيعمل حاجة تشرفنا كلنا". دموع الأم في تلك اللحظة كانت العقد الجديد الذي وقعه محمد مع الحياة.

image about ​شرارة في العتمة: عندما تصنع قسوة الآباء تحدي الأبناء

 

الفصل الثالث: زئير صامت في الثانوية العامة

​دخل محمد الثانوية العامة، لكنه لم يعد ذلك الطفل الذي يبحث عن رضا والده، بل أصبح شاباً يقاتل من أجل إثبات ذاته، ولأجل دموع أمه التي وثقت به. في السنة النهائية (الثالثة ثانوي)، أغلق محمد على نفسه باب غرفته تماماً. عزل نفسه عن العالم، ليس انطواءً هذه المرة، بل تركيزاً كلياً في المعركة.

​كان يستيقظ في الفجر، يذاكر وعيناه تقاوم النوم، يتذكر كلمات والده القاسية فيحولها إلى وقود، ويتذكر نظرة أمه الحانية فيحولها إلى إصرار. مرت الشهور طويلة وثقيلة، وجاء يوم النتيجة المشهود.

​تجمع أفراد العائلة في الصالة، والأب يجلس بترقب يملؤه الشك، والأم تمسك بسبحتها وتدعو الله والدموع في عينيها. دخل محمد برابطة جأش وهدوء، وفتح الموقع الرسمي للنتيجة. ساد الصمت لثوانٍ كأنها دهر.. ثم صرخت الأم صرخة هزت أرجاء البيت.

النتيجة: 92.5%

الخاتمة: الصدمة والاعتراف

​الجميل في النتيجة لم يكن فقط الرقم، بل الصدمة التي ارتسمت على وجوه كل من شكك فيه. التفت الجميع إلى محمد بذهول، وأولهم والده "عبد الله" الذي وقف متيبساً في مكانه، ينظر إلى الشاشة ثم إلى ابنه الذي تحول من طفل منكسر إلى بطل يفرض احترامه على الجميع.

​اقترب محمد من أمه، وقبّل يدها ورأسها قائلاً: "ده عشانك إنتي وبس"، ثم نظر إلى والده نظرة عتاب راقية، لم تحمل غضباً، بل حملت فخر شخص انتصر في معركته

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
عصام جمال محمد تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

9

متابعهم

2

مقالات مشابة
-