صداقة الطفولة التي غيرت حياتي: حنان ودروس في القوة والتواضع
1. بداية صداقة لم أكن أتوقعها
عندما انتقلت إلى قسم جديد في السنة الثالثة ابتدائي، وجدت نفسي وسط تلاميذ لا أعرفهم، ومعلمة لم ألتقِ بها من قبل. كنت أشعر بالخوف والارتباك؛ فأنا جديدة بينهم، وهم أيضًا لا يعرفونني. دخلت القسم بخطوات هادئة، واتجهت إلى آخر طاولة في الصف الأوسط، ثم جلست وأنا أشعر بأن أنظار التلاميذ تتبعني. كنت أتساءل في داخلي: لماذا ينظرون إليّ هكذا؟ ألا يمكنهم الانشغال بشيء آخر؟
بعد دقائق دخلت المعلمة، وكان اسمها فاطمة. كانت لها طريقة مميزة في الكلام، إذ كانت تضيف نغمات إلى كلماتها ونبرتها، ثم ألقت التحية على التلاميذ وبدأت حصة لمراجعة العمليات الحسابية. كتبت على السبورة تمارين في القسمة والضرب والجمع والطرح، وطلبت من التلاميذ حلها.
صعدت إحدى التلميذات إلى السبورة، وكانت تجلس في المقعد الأول من الصف الأوسط، أي في الصف نفسه الذي كنت أجلس فيه. كان اسمها حنان.
منذ اللحظة الأولى، لفت انتباهي ذكاؤها وطريقتها في حل التمارين. كانت تبدو متمكنة من الحساب، وبدت لي تلميذة مجتهدة ومتفوقة. لكن ما أثار إعجابي بها أكثر من ذكائها هو تواضعها. كانت تبتسم للجميع، وتتحدث مع زملائها ببساطة، ولم تكن تتصرف وكأن تفوقها يجعلها أفضل من الآخرين.
أما أنا، فكنت في ذلك الوقت بعيدة تمامًا عن عالم التفوق. كان معدلي لا يتجاوز خمسة، ولم أكن أحب الدراسة أصلًا. كانت المدرسة بالنسبة إليّ شيئًا أذهب إليه لأن والديّ يريدان مني ذلك، ولم أكن أجد فيها متعة حقيقية.
لم أكن أعلم أن التلميذة التي لفتت انتباهي في ذلك اليوم ستصبح صديقتي، وأن صداقتنا ستغير علاقتي بالدراسة وبنفسي أيضًا.
كانت تلك بداية صداقة الطفولة التي تركت أثرًا عميقًا في حياتي.

2. كيف ساعدتني حنان على اكتشاف حبي للدراسة؟
مع مرور الأيام، بدأت علاقتي بحنان تزداد قربًا. كنا نذهب إلى المدرسة ونعود منها معًا، ونقضي أوقاتًا كثيرة برفقة بعضنا. كنت أراقبها وهي تدرس، وألاحظ حبها للتعلم وطريقتها الهادئة في التعامل مع الدروس.
لم تقل لي يومًا: "يجب أن تدرسي مثلي"، ولم تضغط عليّ حتى أتفوق، لكن وجودها بجانبي جعلني أرغب في المحاولة. بدأت شيئًا فشيئًا أكتشف أنني أستطيع فهم الدروس إذا ركزت وحاولت، وأن المشكلة لم تكن في قدرتي على التعلم، وإنما في أنني لم أكن أحب الدراسة ولم أحاول اكتشاف قدراتي من قبل.
بدأت أرفع يدي في القسم للمشاركة، وأصبحت أشعر برغبة في الصعود إلى السبورة وتجربة نفسي.
وفي إحدى الحصص، رفعت يدي وصعدت إلى السبورة لحل إحدى العبارات الحسابية. بدأت بالقسمة الإقليدية، ثم انتقلت إلى الضرب، وبعدها إلى الجمع والطرح. واصلت الحل واحدة تلو الأخرى دون أن ألتفت إلى زملائي أو أفكر في نظراتهم، حتى وجدت نفسي قد حللت جميع العبارات الموجودة على السبورة، مع أن المطلوب مني في الأصل كان حل عبارة واحدة فقط.
انتهيت من الحل، ثم التفت إلى المعلمة وأنا أنتظر حكمها. كنت مستعدة لأن أسمع إن كانت إجابتي صحيحة أم خاطئة، لكنها فاجأتني بابتسامة وعبارتها التي ما زلت أتذكر نبرتها إلى اليوم:
«أحسنت صفاااااا، ممتازااا!»
منذ ذلك اليوم تغير شيء مهم في حياتي المدرسية. بدأت المعلمة تناديني باسم صفا بدل صافية، وسرعان ما أصبح زملائي ينادونني بالاسم نفسه. حتى مكاني في القسم تغير؛ فقد انتقلت من آخر الطاولات إلى مقعد أقرب إلى الأمام.
لكن التغيير الأكبر كان في داخلي. أصبحت أحب الدراسة، وأشارك في القسم، وأنافس التلاميذ المتفوقين، ومن بينهم حنان ومراد.
لم تكن حنان تعرف ربما أنها كانت سببًا في أن أكتشف جانبًا من نفسي لم أكن أعرفه من قبل
.
3. حنان... تفوق بلا غرور ومنافسة جميلة
مع مرور الوقت، أصبحت علاقتي بحنان أكثر من مجرد صداقة؛ تحولت أيضًا إلى منافسة جميلة في الدراسة. كان معنا تلميذ آخر اسمه مراد، وكان من أكثر التلاميذ اجتهادًا وانضباطًا. أما حنان فكانت تتميز بذكاء فطري واضح، وهذا ما جعلني أُعجب بطريقة تفكيرها كثيرًا.
كانت المراتب تتغير باستمرار. أحيانًا تكون حنان الأولى، وأحيانًا أكون أنا الأولى أو الثانية، وأحيانًا يتقدم مراد. واستمرت هذه المنافسة طوال سنوات المرحلة الابتدائية.
لكن هناك شيئًا لم يتغير مهما تغيرت النتائج: تواضع حنان.
لم أرها يومًا تغار عندما أتفوق عليها، ولم أرها تتعامل معي بتكبر عندما تحصل هي على المرتبة الأولى. كانت تعرف قيمة تفوقها، لكنها لم تستخدمه أبدًا لتشعر الآخرين بأنهم أقل منها.
ومع مرور الوقت، أصبح إعجابي بها مرتبطًا بأخلاقها أكثر من تفوقها. كنت كلما اقتربت منها اكتشف جانبًا جميلًا جديدًا في شخصيتها. كانت متواضعة، بسيطة، مبتسمة، ورزينة في طريقة تفكيرها.
وفي نهاية المرحلة الابتدائية، أنهينا سنواتنا بنتائج ممتازة. حصلت حنان على المرتبة الأولى بمعدل 9.60، وحصلت أنا على 9.30، بينما حصل مراد على 8.40.
كانت تلك النتائج بالنسبة إليّ أكثر من مجرد أرقام. فقد كنت في بداية قصتي تلميذة لا تحب الدراسة ومعدلها لا يتجاوز خمسة، ثم أصبحت بعد سنوات أنافس على المراتب الأولى.
وعندما أتذكر تلك المرحلة، أرى أن حنان لم تكن مجرد منافسة لي، بل كانت أيضًا صديقة ساعدني وجودها على تغيير نظرتي إلى الدراسة وإلى نفسي.

4.موقف صغير كشف لي قوة شخصية حنان
هناك موقف من طفولتنا بقي عالقًا في ذاكرتي لأنه كشف لي جانبًا مهمًا من شخصية حنان.
في إحدى المرات، كنا مع مجموعة من البنات من قسم آخر، فقالت إحدى الفتيات لحنان كلمة «مسكينة». كانت كلمة عابرة بالنسبة إلى البعض، لكن حنان لم تتقبلها أبدًا.
تغير وجهها وردت عليها بغضب:
«أنا مشي مسكينة، متقوليش مسكينة عمرك.»
كانت تلك أول مرة أرى فيها حنان غاضبة إلى هذه الدرجة بسبب كلمة واحدة.
فهمت من رد فعلها أنها لا تحب أن ينظر إليها الآخرون بعين الشفقة، ولا تريد أن توضع في صورة الإنسان الضعيف الذي يحتاج إلى تعاطف الآخرين. كانت كلمة "مسكينة" بالنسبة إليها تحمل معنى الضعف والشفقة، وهما شيئان لم تكن تريد أن يرتبطا بشخصيتها.
حتى أثناء اللعب، كنت ألاحظ فيها هذه الصفة. كانت تسقط أحيانًا أثناء الجري أو اللعب وتتأذى، ثم تنهض وتبتسم وتقول إن علينا أن نواصل اللعب. كنت أتعجب من قدرتها على تجاوز الألم والاستمرار، خصوصًا أنها كانت طفلة مثلنا.
لم أفهم وقتها كل ما كان وراء هذه القوة، لكنني مع مرور السنوات أدركت أن حنان كانت تتمتع برزانة كبيرة مقارنة بعمرها.
وأنا أيضًا بدأت أتأثر بها. أصبحت أقل خوفًا من الألم والفشل، وأكثر استعدادًا للمحاولة من جديد.
لم تكن حنان بالنسبة إليّ مثالًا على التفوق الدراسي فقط، بل أصبحت مثالًا على شخصية لا تريد أن يكون ضعفها هو الشيء الذي يعرّفها أمام الآخرين.
ولهذا بقي موقف كلمة "مسكينة" في ذاكرتي؛ لأنه جعلني أفهم أن وراء هدوء حنان وتواضعها شخصية قوية لا تحب الشفقة ولا الاستسلام.
5. آخر صورة لأم حنان في ذاكرتي
بعد انتهاء المرحلة الابتدائية، انتقلنا إلى المتوسطة، ولم نعد في القسم نفسه. ورغم أننا لم نعد نعيش تفاصيل أيامنا الدراسية معًا كما في السابق، بقيت صداقتنا قائمة، وكنا نلتقي من حين إلى آخر ونتبادل المعلومات ونساعد بعضنا في فهم بعض الدروس.
وفي إحدى المرات، مررت بالقرب من منزل حنان. رأيت والدتها جالسة وحدها على عتبة الباب، وكانت تضع يديها على رأسها وتبدو غارقة في التفكير. لم تكن تتحدث مع أحد، وكانت تبدو وكأنها بعيدة عن كل ما يحدث حولها.
كانت تلك الصورة عادية في ظاهرها، لكنها بقيت في ذاكرتي بشكل غريب.
لم أعرف في ذلك الوقت ما الذي كانت تفكر فيه، ولم يخطر ببالي أن تلك ستكون آخر مرة أراها فيها.
بعد ثلاثة أيام فقط، وصلني خبر وفاة أم حنان بسبب نوبة قلبية.
كان الخبر صادمًا بالنسبة إليّ، خاصة أنني كنت قد رأيتها قبل أيام قليلة فقط. ذهبت إلى منزل حنان برفقة أمي، وهناك رأيت صديقتي لأول مرة في حالة مختلفة تمامًا عن الفتاة القوية التي عرفتها طوال طفولتي.
كانت حنان تبكي وتصرخ من شدة ألم فقدان والدتها، ولم أكن أعرف كيف أقترب منها أو ماذا يمكنني أن أقول لها.
بعد ذلك وصل جثمان والدتها إلى المنزل لتوديعها قبل الدفن. وعندما علمت حنان بوصول أمها، ازداد ألمها، وأرادت أن تقترب منها وتحتضنها وتودعها.
في البداية حاولت بعض النساء منعها من الاقتراب، ربما لأنهن كن يعتقدن أن المشهد سيكون أقسى عليها، لكن حنان كانت تريد رؤية والدتها وتوديعها بنفسها. وفي النهاية استطاعت الاقتراب منها واحتضانها.
كنت أراقب المشهد والدموع في عينيّ، وأرى فتاة عرفتُها طوال طفولتها قوية ورزينة، فإذا بها في تلك اللحظة ابنة صغيرة فقدت أمها ولا تريد أن تصدق أنها لن تعود إليها.
ظلت حنان تنادي والدتها وتتمنى أن تستيقظ، وكأن عقلها في تلك اللحظات لم يكن قادرًا على استيعاب أن والدتها رحلت ولن تعود.
كان ذلك أول موقف أرى فيه الموت عن قرب، ولذلك ترك أثرًا عميقًا في نفسي.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت صورتان مرتبطتين في ذاكرتي: صورة أم حنان وهي جالسة تفكر على عتبة منزلها، وصورة حنان وهي تودع والدتها بعد وفاتها.

6. سؤال بقي في ذاكرتي بعد رحيل أم حنان
مرت إحدىعشرة سنة على تلك الأحداث، ومع ذلك ما زالت صورة أم حنان وهي جالسة على عتبة منزلها تعود إلى ذاكرتي بين فترة وأخرى.
وفي كل مرة أتذكرها، يراودني السؤال نفسه:
ماذا كانت تفكر في ذلك الصباح؟ وهل كانت تشعر باقتراب أجلها؟
الحقيقة أنني لا أعرف الإجابة، ولا يمكنني أن أعرف ما كان يدور في ذهنها في تلك اللحظة.
ربما كانت تفكر في أبنائها، أو في أسرتها، أو في أمر شخصي يشغلها، وربما كانت تمر فقط بلحظة شرود عادية. ولا أستطيع أن أقول إن جلوسها في ذلك الصباح كان علامة على شعورها بقرب وفاتها؛ فلا أحد يستطيع معرفة ذلك من مجرد نظرة أو لحظة صمت.
لكن معرفة وفاتها بعد ثلاثة أيام بسبب نوبة قلبية جعلت تلك اللحظة العادية تتحول في ذاكرتي إلى لحظة مختلفة تمامًا.
ربما هذا هو السبب الذي جعلني أتذكرها طوال هذه السنوات. فعندما نعرف نهاية قصة ما، نعود أحيانًا إلى تفاصيلها القديمة ونمنحها أسئلة لم تكن تخطر في أذهاننا وقت حدوثها.
هل كانت تلك المرأة تشعر بشيء؟ هل كانت تفكر في شيء مهم؟ هل كان ذلك الصباح مختلفًا بالنسبة إليها؟
لا أعرف.
وربما لن أعرف أبدًا.
لكن ما أعرفه أن فقدان أم حنان لم ينهِ قصة صديقتي. واصلت حنان حياتها، واستمرت في دراستها، وشقت طريقها بثبات، وحملت معها ذكرى والدتها وألم فقدانها.
أما أنا، فما زلت أرى أن أجمل ما تركته حنان في حياتي ليس فقط ذكريات المدرسة، وإنما الدروس التي تعلمتها منها دون أن تقصد: أن التفوق لا يحتاج إلى غرور، وأن الصداقة الحقيقية يمكن أن تغير الإنسان، وأن القوة لا تعني غياب الألم، بل القدرة على الاستمرار رغم وجوده.
بدأت صداقتنا في قسم السنة الثالثة ابتدائي، عندما كنت تلميذة خائفة تجلس في آخر طاولة، بينما كانت حنان تجلس في المقدمة وتتميز بتفوقها وتواضعها.
وبعد كل هذه السنوات، ما زالت تلك الطفلة حاضرة في ذاكرتي، وما زالت قصة أمها تثير في داخلي السؤال نفسه.
رحم الله أم حنان رحمة واسعة، وجعل مثواها الجنة، وحفظ حنان وكتب لها مستقبلًا جميلًا، وأبقى في قلبها أجمل ما يمكن أن تحمله ابنة من ذكريات عن أمها.
أما صورة أم حنان وهي جالسة على عتبة منزلها في ذلك الصباح، فستبقى بالنسبة إليّ صورة بلا إجابة؛ صورة رأيتها وأنا طفلة، ولم أفهم معناها إلا بعد سنوات
الصداقة
التواضع
التفوق
الفقدان