ظلا ل اثيريا

ظلا ل اثيريا

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الفصل الأول: ظلال حجر الأثير

في عالم "أثيريا"، حيث تتساقط الأمطار باللون الفضي البراق لتروي التربة وتجعل أوراق الأشجار تُرسل ضوءاً أزرق خافتاً يضيء ظلمة الليل، لم تكن إيليا مجرد فتاة عادية تعيش في قرية "هامش الضباب".

كانت تملك سرّاً دفنته في أعماق صدرها ولم تجرؤ على الإفصاح عنه لأحد؛ إذ كانت تتمتع بقدرة استثنائية تُمكنها من رؤية ما خفي عن الأعين. بالنسبة لسكان القرية، كان الهواء مجرد فراغ نقي، أما بالنسبة لإيليا، فكان العالم محاطاً بشبكة معقدة من الأوردة والشرايين النورانية - مسارات طاقة سحرية تُسمى "الأثير" تربط بين الكائنات الحية، والأرض، والسماء.

image about ظلا ل اثيريا

في تلك الليلة، كان الهدوء المريب يخيم على القرية. وقفت إيليا عند نافذة خشبية متآكلة في منزلها، تتأمل زُخات المطر الفضي التي تلألأت كحبيبات الماس تحت قبة الليل. وفجأة، انشق سكون السماء بوميض أرجواني ساطع، كأنه شرارة عاتية انبعثت من قلب عاصفة كونية. انطلق جِسم مشتعل كالقذيفة من بين السحب الطافية، واخترق طبقات الهواء ليرتطم بقوة هائلة في أعماق "غابة الهمسات" - ذلك المكان المحرم الذي تحوك حوله الأساطير مئات القصص عن كائنات الظل والمخاطر المهلكة.

اهتزت الأرض تحت قدميها، وارتجفت جدران المنزل الخشبي. وفي اللحظة ذاتها، اضطربت مسارات الأثير في الهواء، وانطلقت خيوط متوهجة باللون الأرجواني تشير بدقة متناهية إلى موقع السقوط. لم تتردد إيليا كثيراً؛ إذ تطاير الشغف في روحها وهزم صوت العقل الذي كان يطالبها بالبقاء في أمان بيتها. تسللت خارج القرية بخطوات سريعة واندفعت نحو أعماق الغابة.

تجاوزت الأشجار المضيئة التي كانت تتراقص أوراقها بوهج خفيف، متتبعة الأثر الأرجواني المنبعث من عمق الظلام. وعندما وصلت إلى الحفرة المشتعلة التي أحدثها الارتطام، لم تجد وحشاً كاسراً كما ادعت الحكايات القديمة، بل وجدت شاباً ممدداً على الأرض الباردة وسط الركام.

كان الشاب مغطى بالدماء والتراب، يرتدي درعاً ثقيلاً أسود اللون مصقولاً برُموز ذهبية براقة لم ترَ مثلها قط في قرى السطح. وفي قبضته المقبوضة بشدة، كان يمسك ببلورة أرجوانية كريستالية تنبض بإيقاع منتظم حاد... تماماً كقلب بشري خائف يصارع لكي يبقى على قيد الحياة.

اقتربت إيليا بخطوات وجلة، وشعرت ببرودة الجو وهي تجثو على ركبتيها بجانبه. كانت جراحه عميقة، ونبضه يتضاءل شيئاً فشيئاً. دفعتها الرحمة للتدخل، فمدّت يدها الباردة ووضعت كفها على صدره المصاب، مركزة كل طاقاتها الذهنية لرؤية تدفق الأثير داخل جسده لإنقاذه.

image about ظلا ل اثيريا

وما إن لمست بَشرته، حتى سرت موجة حرارة مفاجئة بينهما، واشتعلت البلورة الأرجوانية بضوء ساطع حجب الرؤية لثوانٍ معدودة. انطلقت خيوط ناصعة البياض من يدي إيليا، والتفت حول ذراع الشاب الجريح، رابطة بين روحيهما في لحظة سحرية حبست الأنفاس.

تنهد الشاب بقوة وفتح عينيه فجأة، وكانت عينان بعمق الأزرق العاصف، ملأتان بالدهشة والرعب. أربكه بريق الضوء الشفاف الذي يربطه بالفتاة الغريبة، ونطق بصوت مبحوح ومحتضر قبل أن يفقد وعيه مجدداً: "كايان..."

لم تكن إيليا تعلم حينها أن هذه اللحظة لم تكن مجرد حادثة إنقاذ، بل كانت بداية الانهيار لسر أعمق؛ سر سيجعلها تتخلى عن حياتها الهادئة للهروب مع حارسٍ من العالم السفلي من بطش "ظلال العرش"، في رحلة محفوفة بالخطر والحب والمصير المشترك..

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Yasmin Samy تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-