صمت المدق للكاتبه : Rofida mohmed

صمت المدق للكاتبه : Rofida mohmed

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

صمت المدق

كنت واقف في وسط المحل، عينيا مش مفارقة باب الخان. الحارة المتربة في الحسين وزحمة الناس والأنوار الهادية كأنها محطوطة ديكور لقصتنا. دخلت هي بنفس الفستان الأزرق اللي بحبه، وابتسامتها كانت كفيلة تلغي الدوشة اللي حواليا. مسكت إيدي وقالتلي بصوت وطي: “النهاردة كل حاجة هترجع لترتيبها الصح يا علي.. المرة دي هنمشي ومحدش هيعرف مكاننا.”

قلبي كان بيموت من الخوف، بس نظرة عينيها كانت بتديني شجاعة تجيب أجدعها راجل الأرض. الأسبوعين اللي فاتوا كانوا جحيم، تهديدات بتوصلنا على التليفون، صور لمحلنا القديم وهو بيتحرق، وصوت راجل غريب بيقولي: "ابعد عنها لو خايف على عمرك." بس الحب كان أعمى، وهي كانت دنيتي كلها.

طلعنا الشنطة الصغيرة من ورا الفترينا. كل شقا عمري، الفلوس اللي جمعتها قرش على قرش عشان نهرب بيها ونتجوز بعيد عن أهلها وعن السر اللي حابسينها فيه. مسكت إيدها وطلعنا نجرى في السكة الضيقة اللي بين الحارات، ضربات قلبنا كانت أسرع من خطواتنا.

وصلنا لحد العربية المتركونة في شارع المعز، ركبت جنبي وهي بتتأوه من الخوف. قطعت السكون وقلتولها: “خلاص يا مريم.. عدت، الفلوس معانا والمكان اللي هنروحو محدش يعرفه.”

دارت العربية ومشينا بسرعة، ومع كل كيلو بنبعده عن القليوبية، كنت بحس إن الروح بترجعلي. فتحت هي التابلوه، طلعت الخريطة والورق، وقالتلي: “طب افتح الشنطة نطمن على الورق والفلوس قبل ما نوصل.”

ركزت في السواقة، ومديت إيدي ورا، فتحت السوستة من غير ما أبص.. لمست حاجة غريبة. ورق جرايد مقصوص!

فرملت العربية فجأة في وسط الطريق الصحراوي المهجور. الصوت كان يرعب. بصلتها.. لقيت ابتسامتها اتغيرت خالص. الوش الدافن الحنين اختفى، وحل مكانه برود يخوف.

مسكت الشنطة وقلبتها في حجرها.. كله ورق جرايدفين الفلوس يا مريم؟" قلتها وصوتي بيرعش.

طلعت تليفونها وبصتلي بمنتهى الهدوء وقالت: “الفلوس في حساب أخويا من ساعتين.. هو اللي كان بيهددك بالتليفون يا علي. التمثلية كانت حلوة، صح؟ بس أنت صدقت إن وحدة زيي ممكن تسيب كل حاجة وتهرب مع بياع في الحسين؟”

نزل الكلام عليا زي السكينة. الدنيا لفت بيا، عيني كانت بتترجاها تقول إنها بتهزر، بس نزلت من العربية وركبت عربية ثانية سودا كانت ماشية ورايا من أول الطريق ووقفت جنبنا في اللحظة دي بالضبط.

بصيتلي من شباك العربية الثانية وقالت: “شكراً إنك جيبتني لحد هنا.. وبالمناسبة، البوليس زمانه جايلك في الطريق بتهمة سرقة المحل.”

اتقفل الشباك، ومشت العربية، وفضلت واقف في وسط الصحرا، لوحدي مع صوت الريح.. مصدوم مش من الفلوس اللي راحت، لكن من القلبي اللي اتدبح في ثانية.صوت سرينة البوليس كان بيقرب، والأضواء الحمرا والزرقا كانت بتعكس على الإزجاج القديم بتاع عربيتي. في اللحظة دي، مخي وقف عن التفكير في الصدمة، وغريزة البقاء هي اللي تحركت.

بدل ما أستسلم، قفلت الباب، دست بنزين لأخر دواسة، وطرت بالعربية في طريق فرعي وسط الغيطان. كنت عارف إن لو البوليس مسكني، القضية ملفوفة جاهزة، والورق اللي اتقص في الشنطة هيبقى هو الدليل عليا.

مشيت ساعتين في ظلام كاحل لحد ما العربية قطعت بنزين. نزلت ورماها في ترعة قريبة، وفضلت أتمشى على رجلي لحد ما وصلت لورشة صاحبي القديم "سيد" في أطراف الجيزة. سيد كان الوحيد اللي يعرف سر شغلي القديم قبل ما أفتح محل الحسين.

دخلت عليه وشي أصفر ودمومي ناشفة. لما شافني بالمظهر ده، مسكني من كتفي وقال: “فيه إيه يا علي؟ صورتك نازلة في كل جروبات المنطقة، وبيقولوا إنك سرقت الخزنة وهربت!”

حكيتله كل حاجة.. الخيانة، الملعوبة، والتليفون اللي اتقال فيه إن أخوها هو اللي بيحرك اللعبة.

سيد بصلي بجمود وقال: “مريم ملهاش إخوات يا علي.. مريم كانت شغالة مع شبكة كبيرة بتنصب على تجار خان الخليلي، وأنت كنت الصيد الجديد بتاعهم.”

الكلام كان أشد من الرصاصة. اكتشفت إن حتى الاسم اللي حبّيته كان مزيف. بس بدل ما انكسر، فيه حاجة جوايا اتغيرت.. النار اللي كانت بتحرق قلبي تحولت لغضب صافي.

“عايز أرجع حق سنيني يا سيد.. مش عشان الفلوس، عشان شرفي.”

خلال أسبوع واحد، وبمساعدة سيد، قدرنا نوصل لطرف الخيط. مريم -أو "رانيا" زي ما طلع اسمها الحقيقي- كانت بتستعد للهروب بره مصر مع الرأس الكبيرة بتاعهم. حطيت خطة، ورجعت للحسين بس المرة دي في الضلمة.

استدرجت المشتري الأصلي للشبكة بصفقة وهمية، وفي اللحظة اللي كانوا بيتجمعوا فيها يوزعوا الأرباح في المخبأ بتاعهم، كنت مجهّز مفاجأة. ما بلّغتوش البوليس باسمي، بلغت التسجيلات والصوتيات اللي كنت بسجلها للمكالمات القديمة، ودخلت عليهم بنفسي مع رجال المنطقة اللي اتجمعوا عشان يطهروا حارتهم.

اللحظة اللي عين رانيا جت في عيني وهي متكلبشة كانت تسوى الدنيا. بصتلي برعب وقالت: “علي.. ارجوك افهم!”

ربطت على كتفها بابتسامة باردة وقلت لها: “التمثيلية كانت حلوة يا رانيا.. بس المرة دي النهاية أنا اللي كتبتها.”

خرجت من المكان والشمس بتشرق على شارع المعز، الفلوس رجعت، واسمي اتغسل من التهمة.. بس القلب اللي كان بيحب، ساب نص روحه في الصحرا وماررجعش تاني.عدت شهور على الحادثة، ورجعت لحياتي في الحسين، بس كنت شخص تاني.. هادي، ساكت، وقلبي مقفول بمليون باب. الشغل كان هو مسكني الوحيد عشان ما أفكّرش.

في يوم، نزلت أشتري قماش وخيوط ورشات للمحل من حارة صغيرة جانبيّة في الأزهر. وأنا واقف بقلّب في البضاعة، جيه صوت هادي جنب مني بيقول للمحل: “لو سمحت، خيط السيرما ده مش أصلية، الخامة دي هتنسل بسرعة.. هات اللفة اللي ورا.”

بصيت على اللي بتتكلم، لقيت بنت ملامحها هادية جداً، عينين بريئة ومش حاطة أي مساحيق، لابسة بسيط ومسكا في إيدها أجنحة كروشيه مشغولة بإتقان. عينيا جُم في عينها، فلفت وشها بخجل وابتسمت ابتسامة خفيفة.

اسمها "نور".. كانت بتشتغل في الخياطة والأعمال اليدوية على قدها، بتصرف على والدتها المريضة، وعايشة بمنتهى القناعة والرضا.

مع الوقت، بقيت أتردد على ورشتها بحجة إني محتاج شغل كروشيه وتطريز للمحل عندي. كل مرة كنت بتكلم معاها، كنت بحس إن فيه طاقة دفا وراحة بتدخل قلبي من غير استئذان. نور ما كانتش بتطلب حاجة، ما كانتش بتتصنع، كانت حنينة بجد.. تحس بخوفي من غير ما أتكلم، وتسمعني وأنا ساكت.image about صمت المدق للكاتبه : Rofida mohmed

في يوم، وأنا قاعد عندها في الورشة وبشرب الشاي اللي عملتهولي بإيدها، افتكرت القديم وسرحت.. مسكت هي كوباية الشاي وقالتلي بصوت دافي: “اللي فات يا علي كان درس عشان يعرفك قيمة الطيبين لما تلاقيهم.. متخليش قسوة حد تسرق منك روحك الحلوة.”

الجملة دي نزلت على قلبي زي المية الباردة. في اللحظة دي، حسيت إن الأبواب الحديد اللي قفلت بيها على نفسي بدأت تتدمر.

اتقدمت لها، وبدون زيطة ولا مظاهر، اتجوزنا في حفل صغير وسط الناس اللي بيحبونا بجد.

نور ما عوضتنيش بس عن الفلوس أو الصدمة؛ عوضتني عن كل لحظة شكيت فيها إن الفرحة ممكن تدق بابي تاني. مع كل ابتسامة منها، وكل أكلة بتعملها بحب، وكل كلمة تشجيع بتبدأ بيها يومي، كنت بتأكد إن ربنا لما بياخد حاجة مزيفة من حياتك، بيبقى بيجهزك عشان تستقبل النعمة الحقيقية.بين أزقة خان الخليلي وشارع المعز، يعيش "علي" حكاية تبدأ بحب جارف وينتهي بفخ محكم يقلب حياته رأساً على عقب، ليجد نفسه مطارداً بين ليلة وضحاها وضحية لأكبر خديعة في حياته.

وسط أجواء القاهرة القديمة والإثارة، يخوض علي رحلة صعبة لإعادة حقه وغسل اسمه، ليكتشف في نهاية الطريق أن جبر القلوب يأتي من حيث لا يحتسب، وأن عوض ربنا الحقيقي يكمن في البدايات الهادئة والصادقة

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Rofaida mohmed تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

3

متابعهم

0

مقالات مشابة
-