قصة يونس الجزءالخامس:شروق على تل الرماد

رحلة العاصمة وحراسة الحق
وصل يونس ومريم إلى العاصمة بعد رحلة مضنية ومطاردات شاقة كادت تودي بحياتهما في أكثر من موضع على الطريق الصحراوي المظلم. كانت السيارة القديمة التي استقلاها تتناثر على جدرانها آثار المطر والطين، لكن عزمة يونس لم تتلجلج لحظة واحدة. فور وصولهما، توجها مباشرة إلى المقر الرئيسي للنائب العام وقدمها الملف كاملاً؛ المذكرات الخطيّة، الخرائط البحرية الأصلية، وتفريغ الوثائق التي تثبت شبكة التهريب والتزوير. وبسبب الحجم المروع للأدلة والأسماء النافذة المتورطة في القضية، أصدرت السلطات العليا أمراً فورياً بوضع يونس ومريم تحت حراسة أمنية مشددة، وأُحيلت القضية برمتها إلى محكمة الجنايات الإقليمية بصورة عاجلة للبت فيها دون إبطاء.

مذكرات التوقيف وسقوط الطغاة
بفضل الدقة المتناهية التي كشفتها الأوراق والتي دُوّنت بدم عمر وقوته قبل رحيله، أطلقت النيابة العامة حملة أمنية مكبرة في "تل الرماد". أُصدرت مذكرات توقيف فورية بحق الحاج عمران وجميع قيادات شبكته المالية والأمنية المسلحة. وفي الوقت نفسه، تمت ملاحقة الخائن "سليم" الذي حاول الفرار مرعوباً عبر المرفأ القديم باستعمال جواز سفر مزور وهيئة متخفية؛ حيث أُلقي القبض عليه متلبساً في اللحظات الأخيرة قبل صعوده على متن سفينة بضائع أجنبية، وبحوزته مبالغ مالية ضخمة كان يحاول تهريبها للخارج. وبسقوط سليم وعمران، تهاوت آخر القلاع التي تحكمت في مقدرات البلدة لعقود طويلة.

عودة البطل وشهادة الحق
عاد يونس إلى "تل الرماد" ليس كمتهم فار أو صانع ساعات منبوذ في دكانه، بل كشاهد إثبات رئيسي ورجل استعاد كرامة مدينته في المحاكمة التاريخية التي عقدت جلساتها في مجمع المحاكم الإقليمي. دخل يونس قاعة المحكمة المكتظة بالحشود بثوب صانع الساعات البسيط، مرتدياً نظارته الخشبية القديمة ومسنداً خطواته على إصرار الحق واليقين. وقف أمام منصة القضاء بثبات هز القلوب، رافعاً رأسه أمام أهالي البلدة الذين احتشدوا في القاعة وخارجها لمتابعة المشهد الختامي لمأساة استمرت أكثر من عشرين عاماً من الظلم والقهر.

قيد الاتهام ونظرات الشعب
في قفص الاتهام الحديدي، كان يقف الحاج عمران وسليم متجردين من كل سلطة ونفوذ، وتغطي وجوههما علامات الذل والانكسار. كانت نظرات الاحتقار والغضب تتصاعد نحوهما من عيون أهالي البلدة والصيادين الذين زال عنهم الخوف أخيراً واستعادوا صوتهم المفقود. ألقى يونس شهادته بصلابة ونبرة هادئة تعكس سنوات الصبر والآلام، كاشفاً تفاصيل المؤامرة خطوة بخطوة، ومؤكداً للجميع أن عقارب الزمن قد تدور بطيئة، لكنها في النهاية لا بد أن تشير إلى ساعة العدل والقصاص التي لا مفر منها.

أحكام العدالة وغسيل الأمل
ساد الصمت التام قاعة المحكمة حين نطق القاضي بالمحكم الفاصل؛ حيث أُسدل الستار بإصدار الأحكام المشددة بالسجن المؤبد للحاج عمران ومصادرة جميع أملاكه ومؤسساته البحرية التي سلبها قسراً، وإعادتها فوراً إلى أصحابها الشرعيين من الصيادين والأهالي. كما صَدَرَ حكم بالسجن المشدد بحق سليم وتجريده من حقوقه المدنية، مع صدور قرار رسمي بتبرئة اسم الشهيد "عمر" بالكامل، وتكريم ذكراه وإعادة تسجيل حقوقه في السجلات الرسمية. أشرقت الشمس على "تل الرماد" في ذلك اليوم بلون مختلف تماماً؛ لون يغسله الأمل والتطهر من آثام الماضي.

التئام الزمن وشروق السلام
أما يونس، فقد عاد إلى دكانه الصغير عند المنعطف الرئيسي للبلدة، لكن الباب الثقيل لم يعد يُغلق في وجه أحدا؛ كانت مريم إلى جانبه، تتعلم منه ببراعة دقة صيانة الساعات وتساعده في إدارة المشغل وإعادة بناء حياتهما. أخرج يونس ساعة الجيب الذهبية العتيقة الخاصة بشقيقه عمر، ونظف تروسها الداخلية بعناية، ثم أصلح بندولها المعطل ببراعة يديه. ابتسم يونس بقلب مطمئن ونظر إلى مريم قائلاً: "الآن يا ابنتي، نستطيع أن نقول إن عقارب الزمن قد التأمت، وإن روح والدك قد استراحت أخيراً في علياء السلام." ثم انطلقت دقات الساعة منتظمة وثابتة، لتعلن بداية عهد جديد ملؤه النور والحرية فوق تل الرماد.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق