رواية مجرد قتيل الفصل الثالث

رواية مجرد قتيل الفصل الثالث

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الفصل الثالث:

أما ترين عيون خلكِ في الهوى
تبكي، وتنزف عشقها لقاءَ؟

أما ترين تلهفي وتشوقي
كي ألمح الأنوار والأضواءَ؟

أنفاس صدري كلما حنت لكم
رجت الشفاء برؤية وبهاءَ

وإذا نظرتُ إلى عيونكِ حار بي
قلبي، وعدتُ أسائل الأجواءَ:

أتعاملين الحب من لهفي بأن
تخفيه.. أم تتعمدين عماءَ؟
******
عاد الصمت الثقيل ليخيم على أركان المكتب الفاخر، لكنه كان صمتاً يغلي بالضيق. وضع سيف يده فوق صدغيه يضغط عليهما بقوة وهو يشعر بصداع فتاك يكاد يمزق رأسه من فرط قراءة الكلمات المنتقمة المتكدسة أمامه، والتفت نحو نبيل القائم بهيبته الرصينة ليسأله بنبرة حانقة مستسلمة:
— «إذًا؟ أأغير طاقم الدكاترة كاملاً لأرضي الطلبة؟» 
​حافظ نبيل على هدوئه الدبلوماسي المعتاد، وأجاب بوقار وبساطة:
— «أظن ذلك». 
​اشتعل سيف بغضب عارم، ورمى بالورقة التي في يده بصياح احتجاسي:
— «لِمَ تقول "أظن" في الوقت الذي يجب أن أقول فيه "أتيقن"! لقد اكتشفت أن جميع الطلبة بهائم!». 
​لم تتأثر رصانة نبيل العملية، بل تابع بنبرته الرخيمة المهدئة محاولاً تقويم الأمور:
— «ربما ليس بالضرورة تغيير الدكاترة، بعض الملاحظات والجلسات تكفي لتعديلهم، ففي النهاية، اتفاق الطلبة على سوء الدكاترة لا يعني بالضرورة تغييرهم بقدر تعديلهم». 
​تنهد سيف بضيق شديد، ورمى بجسده المتعب قليلاً وهو يقلب الصفحات المتراكمة بأصابع يغمرها الرجاء الخائب، وتمتم يائساً:


— «المشكلة انها جميعا سلبية». 
​وفي تلك الثانية، تباطأت حركة يده فجأة. وسط جبال الأوراق العشوائية والخطوط الغاضبة المشتبكة، وقعت عيناه على خط مرتب، منسق بعناية فائقة، ويبدو أنه كُتب على مهل وبتؤدة تنم عن شخص متزن. انتشل الورقة بفضول مباغت، وأخذ يقرأها بابتسامة مصدومة ارتسمت على شفتيه وهو يعلق بذهول:
— «الاستبيان الوحيد الذي من ورقة واحدة!» 
​استرسل في التهام السطور القصيرة الموجزة وعيناه تتسعان مع كل حرف، ليردف معقباً بصوت مسموع:
— «موجز! مختصر! وفوق هذا إيجابي؟ من بين كل الطلبة؟» 
​تحركت في صدره رغبة عارمة في معرفة هوية صاحب هذا الفكر الاستثنائي، فتعجل سيف في تقليب الورقة وهو يريد قراءة اسم الطالبة، متسائلاً بنبرة حماسية:
— «من هو هذا الطالب المتفرد؟ أقسم أن أكافئه!». 
​تسمرت عيناه عند أسفل الورقة حيث تقبع الهوية.. وفجأة، تلاشت الابتسامة من وجهه، وتصلب جسده بالكامل كأنما صُعق. انقطع صوته للحظات، ثم قرأ الاسم ببطء شديد واستغراق غلفه استغراب :
— «شجن.. القادري..اهذا تشابه بالالقاب؟» 
******
​خرجت شجن من القاعة بتعجل، والأسئلة تدور في رأسها كالعاصفة. خطت خطوات واسعة وسريعة في الممرات الفاخرة متوجهة نحو جناحها الجامعي المنفرد، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى بدأت بالتحرك بنفاذ صبر. نشرت شرائح الملفات على مكتبها بفوضى مدروسة، ثم وضعت حاسوبها المحمول وفتحت شاشته على عجل، وبدأت أصابعها تسابق الزمن وهي تبحث عن بيانات الملكية من خلال المواقع الخاصة بنظام الجامعة. 


​لكن الآمال تكسرت سريعاً؛ إذ بدا أن البيانات كلها مشفرة بجدران حماية معقدة. تراجعت إلى الخلف قليلاً، وتنهدت بضيق متمتمة بمرارة:
— «سحقاً، كيف سأعرف علاقة ذلك المدعو سيف بالجامعة؟» 
​توقفت يداها عن الكي بورد، وساد الصمت للحظات قبل أن تومض في ذهنها فكرة. تذكرت شجن كلام الدكتور إبراهيم عن بطاقتها الجامعية الفريدة، والتشفير العالي والصلاحيات الدقيقة التي تحيط بملفها. تنهدت بضيق وخيبة وأمل طفيف وهي تحدّث نفسها:
— «ما هي الصلاحيات التي تكلم عنها؟» 
​قررت المخاطرة؛ مدت يدها إلى حقيبتها، وأخرجت بلاطة صغيرة سوداء لِماسح إلكتروني وتوصيلات خاصة، وشبكته بالحاسوب بعجلة. وبأنفاس متسارعة، دخلت مجدداً إلى نفس المواقع والملفات المشفرة التي استعصت عليها قبل قليل، ثم قرّبت بطاقتها الجامعية  ووضعتها فوق سطح الماسح الأسود. 
​لم تمر سوى ثانية واحدة حتى انكسر جمود النظام؛ تحولت الشاشة فجأة من حمرتها التحذيرية إلى اللون الأخضر، واهتز السكون داخل الغرفة حين أصدر الجهاز صوت طقة صغيرة ونغمة رنين خاطفة:
— «بيب». 
​تسمرت شجن في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة مباغتة، سرعان ما تحولت إلى ابتسامة انتصار غمرت وجهها. وبصوت سريع ومتعجل، همست وهي تنحني فوق لوحة المفاتيح وتهم بتصفح الملفات السرية التي فُتحت بواباتها أمامها بعجلة:
— «أجل!!
***
في ركن المكتب الهادئ، رفع نبيل حاجبيه بملامح يكسوها عدم الفهم، وكسر الصمت متسائلاً:
— هل أتقصاها لمجرد أن لقبها متشابه؟
​التفت إليه سيف، وكان وجهه لوحة من الجدية الصارمة التي تغلفها برودة ساخرة، وأجابه بنبرة حاسمة:
— لم أخبرك أن تفتش عقر دارها، أريد ملفاتها الجامعية فقط.
​أومأ نبيل بطاعة تامة لينهي الجدال:
— حسناً، لك ذلك.
​خطا نبيل مغادراً المكتب، لكن غيابه لم يدم سوى بضع دقائق. عاد بعدها وأغلق الباب خلفه ببطء، وعلامات الدهشة الطفيفة ترتسم على محياه، مشوبة بخدر صدمة جمدت ملامحه وهو يقول:
— سيدي، لم أجد بملفاتها اسم والدها أو أي فرد من أفراد عائلتها، ولكأنها مقطوعة الجذر!
****


حدقت شجن في الفراغ، وتحدثت إلى نفسها بصدمة زلزلت كيانها:
— منذ متى كان لقيس ابن؟
​كانت قد انتهت لتوها من قراءة اسم سيف كاملاً على الشاشة. سرعان ما انتابها الندم، فوبخت نفسها بتعجل محاولة طرد الأفكار:
— ليس لي علاقة بقيس أو ابنه البغيض، أريد أن أعرف ما علاقته بملكية الجامعة.
​توقفت عيناها عند سطر معين، فهمست غير مصدقة للبيانات التي تظهر أمامها:
— الإدارة والوكالة.. نسيت قراءة قسم الإدارة والوكالة.
​استرجعت أنفاسها بمرارة وتابعت تفكر:
«أبي ميت، وكل أملاكه يجب أن تدار بتوكيل رسمي كامل.. كان قيس —رحمه الله— توأم أبي، لذلك تكفل بإدارة أملاك أبي بعد وفاته. وبالوقت الراهن، قيس مات، لكن الصلاحية الوكالية انتقلت بسند قانوني صريح تركه قيس قبل وفاته لابنه.. أي أن سيف يمتلك أملاك أبي كاملة بصفته الوكيل! ببساطة وبكبسة زر يستطيع نقل كل أملاك أبي إلى أملاكه إن أراد بصفته الوكيل! وغيابي قانونياً أنا وأمي هو...»
​شدت شجن شعرها بأطراف أصابعها بتوتر بالرغم من محاولتها التماسك، وهمست بذعر:
— يا مصيبتي السوداء!
​تسارعت أنفاسها بخوف حقيقي يجتاح صدرها:
— سيف بصفته ابن قيس عمي.. أي أنه ابن.. ابن عمي؟
​مسحت وجهها بكف يدها التي تعرقت فجأة بسبب القلق والخوف، وقالت بمرارة:
— أردت مواجهة عائلتي في الوقت الذي لا أعرف عن أفرادها شيئاً.. أي تهور أقحمت نفسي فيه؟
****
كانت الغرفة غارقة في عتمة موحشة، ستائرها مغلقة بإحكام، وتكاد جدرانها تختنق بكومة الأوراق المتناثرة. هناك، فوق كرسي مكتبه الفوضوي، كان أحمد جالساً كجسد بلا روح.
​أنفاسه متقطعة.. سريعة.. يحشوها خوف دفين. كان يشد شعره بيأس، ويده الأخرى مقبوضة على قلبه من شدة الألم والقلق. ترقرقت الدموع في عينيه وهو يلهث بصوت متهدج، يخرج من أعماقه مخنوقاً:
— لماذا.. أشعر أني.. أحتضر؟
​تحامل أحمد على نفسه وخرج من حجرته، مدفوعاً برغبة عارمة في انتشال أي نسمة هواء خارجاً عله يتنفس وسط هذا الضيق الذي يعتصر صدره. لكن خطواته تعثرت عندما رآها؛ إذ اصطدمت عيناه بعيني زوجته نادية. كانت ملامح وجهها الحنونة تفيض بشفقة لم يحتملها.
​صرخ أحمد بغضب، محاولاً مداراة ضعفه:
— لا تنظري لي هكذا!


​أجابته نادية بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقل الحقيقة:
— أشفق عليك.. لأنك بيديك سلمتها لعرينهم، وأراك لا تستطيع للنوم سبيلاً الآن.
​حاول أحمد التنفس، وبذل جهداً مضنياً لتمالك نفسه، وهو يهمس بصوت أجش:
— إنها هي الورقة المتبقية لأخذ حق والدتها وعائلتها.
​قاطعته نادية بمرارة:
— حق لم يطالب به أحد غيرك يا أحمد! هم أرادوا الفرار من براثنهم فقط، وها أنت وضعت أضعف فرد فيهم بين حر أيديهم.
​ادمعت عينا أحمد، ودافع عن قراره بضعف:
— هي ذكية، ولو أني لم ألاحظ هذا لما وضعتها هناك.
​قاطعته مجدداً، لكن هذه المرة بغضب جارف تعاطفاً مع مصير شجن:
— أنا وأنت نعلم أن أخاها كان أفطن منها ذكاءً وحنكةً وحيطة، وها قد جاوره ما جاور والده.. كلهم اندثروا تحت التراب يا أحمد، أتكذب عليّ أم على نفسك؟
​كانت الكلمات كالسياط. جثا أحمد على ركبتيه منهاراً تماماً أمام الحقيقة التي لم يتجرأ يوماً أن يتلفظ بها أمام نفسه. ضاقت أنفاسه حد الاختناق وهو يتخيل مصير شجن يتكرر كمصير أخيها. انهمرت دموعه بغزارة، وشعر برأسه يكاد يتفجر من فرط الألم.
​أفزع المنظر نادية، فجثت على ركبتيها بقلق بالغ وهي تهزه:
— أحمد!! أنت بخير؟؟؟؟

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
ملاذ المنذري تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

2

متابعهم

0

مقالات مشابة
-