في هذا المقال
موعد مع الماضي
الجزء الأول: البيت القديم
لم يكن البيت العتيق في آخر الشارع يشبه البيوت التي ظهرت حوله خلال السنوات الأخيرة.
كان واقفًا هناك، كأنه يرفض أن يعترف بأن الزمن تغيّر.
ثلاثة طوابق بلون رمادي باهت، وباب خشبي عريض فقد نصف لمعانه، وشرفة صغيرة في الطابق الثاني تتدلى منها أصص زرع اعتادت أم علاء أن تعتني بها كل صباح. وعلى الرغم من أن الشارع نفسه تغير كثيرًا، ظل البيت كما هو؛ يشهد على عشرات السنين من الضحكات والخلافات والأحلام التي بدأت داخله وانتهت خارجه.
في السادسة والنصف صباحًا، كان صوت بائع الفول يملأ الشارع.
“سخن يا فول… سخن يا فول!”
فتح علاء عينيه بصعوبة، ومد يده ناحية الهاتف الموجود فوق الكومودينو.
الساعة 6:37.
تنهد ثم أغلق المنبه الذي كان يرن منذ خمس دقائق.
لم يكن يحب الصباح.
ليس لأنه يكره العمل، وإنما لأنه في كل صباح يستيقظ وفي رأسه نفس السؤال:
ماذا سيحدث اليوم؟
ومنذ أن تخرج من الجامعة قبل عامين، أصبح هذا السؤال يطارده أكثر من أي شيء آخر.
وظيفة مؤقتة هنا.
مقابلة عمل هناك.
راتب لا يكفي.
وعود كثيرة.
ثم يعود إلى البيت في نهاية اليوم ليجد والدته تحاول إخفاء قلقها بابتسامة، ووالده جالسًا أمام التلفزيون دون أن يتابع شيئًا مما يعرض عليه.
نهض علاء من السرير وارتدى قميصه بسرعة.
وقبل أن يخرج من الغرفة، نظر إلى نفسه في المرآة.
كان وجهه يبدو أكبر من عمره.
ربما لم يكن في الخامسة والعشرين من عمره، لكن المسؤوليات جعلته يشعر أحيانًا بأنه في الأربعين.
فتح الباب.
“صباح الخير يا أمي.”
جاء صوتها من المطبخ:
“صباح النور يا ابني. الفطار جاهز.”
دخل علاء المطبخ فوجد والدته تضع طبق الفول على الطاولة.
كانت أمه، أمينة، امرأة في بداية الخمسينيات، لكن التعب كان قد أضاف إلى وجهها سنوات كثيرة.
قالت وهي تضع الخبز:
“اقعد كل لقمتين قبل ما تنزل.”
جلس علاء.
“متأخر يا أمي.”
نظرت إليه.
“متأخر على إيه؟”
“عندي شغل.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“هو مش الشغل اللي بتروح له ده بيبدأ كل يوم الساعة تسعة؟”
توقف علاء عن الأكل.
كانت أمه تعرف.
تعرف أن العمل الذي يذهب إليه ليس الوظيفة التي كان يحلم بها.
شركة صغيرة يعمل فيها بعقد مؤقت، براتب بالكاد يغطي مواصلاته ومصاريفه الشخصية.
قال:
“آه… بس عندنا اجتماع بدري.”
لم تجادله.
وضعت أمامه كوب الشاي.
“ربنا يرزقك يا ابني بشغلانة أحسن.”
ابتسم.
“آمين.”
سكتت قليلًا ثم قالت:
“أبوك عايز يكلمك.”
تغير وجه علاء.
“في إيه؟”
“مش عارفة.”
“هو صاحي؟”
“من قبل الفجر.”
هز علاء رأسه.
كان يعرف معنى أن يكون والده مستيقظًا قبل الجميع.
والده، محمود، لم يكن ينام جيدًا منذ أن ترك العمل قبل ثلاث سنوات.
كان يعمل موظفًا في إحدى الجهات الحكومية، وعندما خرج إلى المعاش ظن أن الحياة ستصبح أهدأ.
لكن الحياة لم تكن تعرف معنى الهدوء.
المعاش لم يكن يكفي.
والأسعار لم تعد تشبه الأسعار التي عرفها طوال سنوات عمله.
وأصبح الرجل الذي قضى عمره كله يحاول أن يوفر لأولاده حياة أفضل، عاجزًا عن دفع بعض الفواتير دون أن يحسبها أكثر من مرة.
خرج علاء من المطبخ متجهًا إلى غرفة والده.
طرق الباب.
“ادخل.”
فتح الباب.
كان والده يجلس على الكرسي بجوار النافذة، يرتدي جلبابًا رماديًا، ونظارته منخفضة قليلًا على أنفه.
قال:
“صباح الخير.”
“صباح النور يا أبو علاء.”
أشار محمود إلى الكرسي.
“اقعد.”
جلس علاء.
صمت الرجل قليلًا.
ثم قال:
“أنت قبضت الشهر اللي فات؟”
نظر علاء إلى الأرض.
“آه.”
“كام؟”
ذكر له الرقم.
هز محمود رأسه.
“والشهر ده؟”
“لسه.”
“يعني مرتبك اتأخر؟”
“أيوه.”
تنهد محمود.
“أنا كنت عايز أقولك حاجة.”
رفع علاء عينيه.
“خير؟”
لم يجب والده مباشرة.
أخرج من جيبه ورقة صغيرة ووضعها على الطاولة.
نظر علاء إليها.
فاتورة كهرباء.
ثم فاتورة أخرى.
ثم ورقة من المدرسة الخاصة بأخته الصغيرة.
قال محمود:
“المصاريف دي لازم تتدفع الأسبوع ده.”
ظل علاء صامتًا.
“عارف.”
“أنت معاك؟”
رفع علاء عينيه.
لم يكن السؤال سهلًا.
قال بعد لحظة:
“هتصرف.”
ابتسم والده ابتسامة حزينة.
“أنا عارف إنك هتتصرف.”
ثم أضاف:
“بس أنا مش عايزك تشيل فوق طاقتك.”
وقف علاء.
“متقلقش.”
لكن قبل أن يخرج، قال والده:
“علاء.”
توقف.
“نعم؟”
“إوعى تستلف من حد.”
سكت علاء.
كان يعرف لماذا قال والده ذلك.
سليم.
صديقه القديم.
الرجل الذي أصبح يتحدث كثيرًا عن المال، وعن الفرص، وعن طرق لا يفهمها علاء تمامًا.
خرج من الغرفة دون أن يجيب.
وفي طريقه إلى الباب، قابل أخته الصغيرة مريم.
كانت تحمل حقيبتها المدرسية.
قالت:
“إنت خارج؟”
“آه.”
“ممكن تجيبلي كشكول الرسم وإنت راجع؟”
ابتسم.
“حاضر.”
“وما تنساش.”
“مش هنسي.”
ضحكت.
“أنت كل مرة بتقول كده.”
ضحك علاء.
لكن عندما خرج من الباب، اختفت ابتسامته.
كانت القاهرة قد بدأت تستيقظ.
الحافلات ممتلئة.
الميكروباصات تتسابق.
المارة يعبرون الشوارع بين السيارات.
كل شخص يبدو وكأنه يركض خلف شيء.
موظف يركض خلف موعد.
شاب يركض خلف وظيفة.
فتاة تلاحق حلمًا.
وأب يحاول أن يلحق بالأسعار قبل أن تسبقه.
ركب علاء الميكروباص.
جلس بجوار النافذة.
أخرج هاتفه.
كانت هناك ثلاث رسائل.
رسالة من الشركة.
رسالة من البنك.
ورسالة من رقم غير مسجل.
فتح الثالثة.
“محتاج أشوفك النهارده. الموضوع مهم.”
لا اسم.
ولا تفاصيل.
كتب:
“مين؟”
لم تمر دقيقة حتى جاء الرد.
“هتعرف لما نتقابل.”
شعر علاء بانقباض في صدره.
أعاد الهاتف إلى جيبه.
لم يكن يعرف أن تلك الرسالة ستغير الكثير من الأشياء في حياته.
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت حبيبة تقف أمام المرآة.
كانت في الثالثة والعشرين.
تضع حجابها أمام المرآة، ثم تعيد ترتيبه للمرة الثالثة.
دخلت والدتها.
“لسه مخلصتيش؟”
“خلاص يا ماما.”
“هتتأخري.”
“عارفة.”
وقفت الأم خلفها.
“رايحة الشركة؟”
“آه.”
“المرتب كام؟”
تنهدت حبيبة.
“قولت لك قبل كده.”
“أنا بس بسأل.”
“نفسه.”
قالت الأم:
“طيب وإمتى هيثبتوكي؟”
“مش عارفة.”
“يعني إيه مش عارفة؟”
استدارت حبيبة.
“يا ماما دي شركة، مش مدرسة.”
سكتت الأم.
ثم قالت:
“أنا خايفة عليكي.”
“من إيه؟”
“من الدنيا.”
ابتسمت حبيبة.
“الدنيا مش هتاكلني.”
اقتربت أمها منها.
“الدنيا بتاكل اللي بيصدقها.”
لم تعرف حبيبة ماذا تقول.
كانت تسمع تلك الجملة كثيرًا.
لكنها رغم ذلك كانت تريد أن تصدق أن الحياة يمكن أن تكون أفضل.
كانت تريد وظيفة ثابتة.
بيتًا صغيرًا.
استقلالًا.
وربما شخصًا تحبه دون أن تتحول كلمة “جواز” إلى حسابات وأرقام ومطالب لا تنتهي.
رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
علاء.
ترددت لحظة.
ثم أجابت.
“ألو؟”
جاء صوته:
“صباح الخير.”
“صباح النور.”
“إنتي نازلة؟”
“آه.”
“هنتقابل النهارده؟”
صمتت حبيبة لحظة.
“ليه؟”
“عايز أشوفك.”
ابتسمت رغمًا عنها.
“في حاجة؟”
“لا.”
“متأكد؟”
“آه.”
“طيب.”
“بعد الشغل؟”
“ماشي.”
“هستناكي.”
أغلقت الهاتف.
نظرت إليها والدتها.
“علاء؟”
تغير وجه حبيبة.
“آه.”
“كويس.”
“ماما…”
“أنا ما قلتش حاجة.”
خرجت حبيبة وهي تبتسم.
لكن والدتها ظلت تنظر إلى الباب بعد خروجها.
كانت تعرف ابنتها.
وتعرف أن اسم علاء لم يعد مجرد اسم عابر في حياتها.
في العاشرة صباحًا، وصل علاء إلى الشركة.
صعد الدرج بسرعة.
كان المدير يقف أمام مكتبه.
“أستاذ علاء.”
“أيوه؟”
“فين التقرير؟”
“خلصته.”
“ابعتلي نسخة.”
“حاضر.”
دخل علاء مكتبه.
جلس.
فتح جهاز الكمبيوتر.
لكن هاتفه رن.
رقم مجهول.
تردد ثم أجاب.
“ألو؟”
لم يرد أحد.
“ألو؟”
ثم جاء صوت رجل:
“إنت علاء محمود؟”
“أيوه.”
“أنا محتاج أقابلك.”
“مين حضرتك؟”
“اسأل أبوك عن ياسين.”
تجمد علاء.
“ياسين مين؟”
انقطع الاتصال.
ظل ينظر إلى الهاتف.
ياسين.
الاسم لم يكن غريبًا عليه.
لكن المشكلة أنه لم يسمعه منذ سنوات.
سنوات طويلة جدًا.
فتح درج مكتبه.
أخرج صورة قديمة كان يحتفظ بها منذ أيام المدرسة.
كانت الصورة تضم أربعة أشخاص.
هو.
سليم.
ياسين.
وشخص رابع لم يعد يتذكره جيدًا.
نظر إلى وجه ياسين.
ثم أعاد الصورة إلى الدرج
ولكن من هو ………….. يتبع
تابع جديد Ala Khilfa
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق