مجرد قتيل الفصل الرابع

مجرد قتيل الفصل الرابع

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

الفصل الرابع

أطفأ دخانه في المنفضة الرخامية بعد أن نفث منه نفساً عميقاً ببرود طغى على ملامحه، وعيناه متسمرتان بتأمل شديد يحمل بضعاً من الهوس في صورة شجن القابعة في ملفها الجامعي المبتور. 
​كسر نبيل الصمت قائلاً بلكنة هادئة ورصينة:
— "وقعت في حبها من اللحظة الأولى؟" 
​ارتسمت على شفتي سيف ابتسامة ازدراء ساخرة وهو يجيب:
— "تعلم أني لا أؤمن بالحب.. هي مجرد سؤال أريد جوابه يا نبيل". 
​نهض سيف بوقار مهيب، يمرر كفيه ليرتب ياقة سترته الفاخرة حول رقبته رافعاً ظهره بجسارة حازمة. تحرك خطوة نحو المخرج، فأردف نبيل برسمية حذرة:
— "إلى أين سيدي؟" 
​التفت إليه سيف وأجاب باقتضاب:
— "لمكتب المدير إبراهيم". 
​كان صدى خطواته الواثقة والمنتظمة يصدح في الممرات الباردة للجامعة الفخمة. وما إن تلمحه الأعين حتى تتراجع؛  جميع الأنظار حوله تستهيبه، وتجله، وتستعظمه لدرجة أن الطلاب والموظفين يكادون لا يجرؤون على إلقاء النظر إليه مباشرة. 


​وصل إلى الجناح الإداري، وفتح باب مكتب المدير بهدوء مهيب لم يسبقه استئذان. انتفض إبراهيم واقفاً من خلف مكتبه بتوجّل دبت ريبته في أوصاله، وتمتم بتهيب:
— "سيد سيف؟" 
​تجاهل سيف توجله الواضح وجلس على كرسي مجاور للمكتب بعدم اكتراث، وسند ظهره بثقة وهو يلقي سؤاله كقذيفة باردة:
— "الطالبة شجن القادري.. لماذا كل بياناتها مشفرة عليّ شخصياً؟" 
​وقف إبراهيم يبتلع ريقه، محاولاً التعليل بصوت منخفض ومنكسر:
— "بياناتها مشفرة بواسطة واسطة عليا لا أستطيع التعامل معها أو فضح معلوماتها.. إن كان هذا يضايق حضرتكم، يمكننا فصل الطالبة". 
​— "كلا". 
​صرح بها سيف ببعض البطء الثقيل الذي يحبس الأنفاس، ثم أعقب قائلاً بنبرة آمرة:
— "أريد معرفة..." 
​لكن إبراهيم تلعثم مقاطعاً إياه من فرط خوفه:
— "لا يمكنني إعطاؤك بخصوصها أي معلومات سيدي!" 
​توترت الأجواء في الغرفة بشكل خانق، وتأرجح الهواء بين خوف إبراهيم الهلع من الفصل والضياع، وبين نظرات سيف الثلجية الحادة التي كادت تخترق الجدران. 
​وفجأة.. انقطع هذا التوتر بقدوم خطوات مستعجلة وركض طرأ على الممر. انفتح باب المكتب على مصراعيه باندفاع عنيف، ودخلت شجن وهي تتكلم بتسرع ويلهث صدرها دون أن تنظر لمن في الداخل:
— "سيد إبراهيم! أنا في ورطة قانونية!" 
​لم تكد تنهي جملتها حتى توقفت الأنفاس في حلقها، وتجمدت الدماء في عروقها أثر صدمة مباغتة حين اصطدمت عيناها بعيني سيف الثلجيتين، الرجل الذي كانت تبحث عنه، والذي سبقها وجلس هاهنا يترقبها! 
​أصبحت أنفاسها متقطعة، قلقة، تائهة في الفراغ. وفي تلك اللحظة الشاخصة، كانت الأفكار في عقلها تتسابق بتأنيب ضمير حارق يجلد ذاتها:
"هل يزداد غبائي مع مرور الوقت؟! كيف اندفعتُ هكذا؟
علق سيف ببرود:هل يدخل طلابك لمكتبك دون استأذان هكذا؟
ابتسم ابراهيم بتوتر:ليس الامر كذلك،انها طالبة مميزة عندي
رفع سيف حاجبه بستغراب: ورطة قانونية؟
تلبكت شجن بتوتر تتمنى لو تنشق الارض وتبتلعها:قصدت ..قصدت ورطة في احد الدروس الجامعية في القانون التي لم افهمها اردت ان يرشدني السيد ابراهيم بها لان عدم فهما سيهدد علاماتي المرتفعة


ابتسم سيف ببرود وتقييم محسوب مصرحاً:لكِ هذا الاعتراف مني..علاماتكِ مرتفعة حقاً..ولا الوم ابراهيم اهتمامه بكِ
اشار سيف بيده نحو كرسي مجاور لكرسيه مشككاً بكذبتها:كمكافئة على استبيانكِ المنظم..شرفيني واخبريني بالمسألة لأساعدكِ شخصياً 
شجن همست وجبهتها تتعرق من التوتر:شكراً لك...سيتولى ذلك ابراهيم
كرر سيف كلامه معيداً:وانا اصر على مساعدتكِ
جلست شجن تحاول اختلاق كذبة مقنعة ودرس لم تفهمه،ثم خطرت ببالها سؤال حقيقي يخطر ببالها واستغلت هذا الموقف لتشفي فضولها:في الحقيقة سيد سيف
دكتور المحاضرة كان يشرح اليوم انتقال ملكية الأسهم بالإرث، ولم أفهم متى يحق للورثة التصرف في الحصص قبل قيدها في سجلات الشركة؟
(تنظر شجن إلى سيف بارتباك، تحاول تثبيت عينيها الهاربتين وهي تنطق بهذه الجملة التي تدربت عليها في عقلها لثوانٍ، بينما المدير إبراهيم يحبس أنفاسه خلف مكتبه).
​يستمع سيف إلى سؤالها بملامح جامدة، لا يظهر عليها أي تعبير. يرجع بظهره إلى الخلف على مقعده الفخم، ويمد يده ليرتب الأوراق أمامه ببرود وثقة تامة، ثم يوجه نظراته الحادة والثابتة نحوها، متحدثاً بنبرة أكاديمية جافة وصارمة، كأنه مستشار يشرح مادة في كتاب قانون:
سيف:


"الجواب من الناحية القانونية صريح يا شجن.. في قانون الشركات، إذا توفي المالك وكانت هناك (وكالة اضطرارية) سارية لشخص آخر لإدارة الأملاك، فإن هذه الوكالة تظل نافذة بـقوة القانون؛ والهدف هو حماية استقرار المنشأة وأموال المساهمين من التجميد."
(يصمت لثانية، ويمسك بقلمه الذهبي يقلبه بين أصابعه ببطء، وعيناه تدرسان ملامح وجهها بدقة)
سيف يتابع:
"هذا يعني أن الورثة، حتى لو ظهروا ومعهم كل الوصايا الرسمية، لا يملكون أي سلطة تنفيذية فورية على الحصص قبل القيد. لا يحق لهم نقل سهم واحد، ولا سحب قرش ، إلا بعد خوض معركة قضائية كاملة لإثبات صفتهم الشرعية وإبطال الوكالة الاضطرارية أولاً.. وطالما لم يصدر حكم قضائي قطعي بفسخ تلك الوكالة، فالوكيل المعين هو الصفة القانونية الوحيدة المعترف بها أمام الشركة والدولة."
(يطرق بالقلم على المكتب طرقة واحدة خفيفة، ويميل برأسه قليلاً ويسألها ببرود مستفز)
"هل هذا هو الجزء الذي التبس عليكِ في قاعة المحاضرات؟"
سرحت شجن في عقلها وهي تفكر بشرود
"هذا يعني ان لدي ورقة رابحة،فطالما لا يعرف اني الوريثة يمكنني المطالبة بالارث وبمجرد اثبات نسبي لوالدي سيتم فسخ وكالته"
:اين سرحتِ؟


شهقت شجن ملاحظةً شرودها ثم ابتسمت بعفوية:شكراً لك سيد سيف،اشفيت فضولي
رفع سيف حاجبه الحاد بغرور؛يسرني اني استطعت ان اشفي فضولكِ الجامح صغيرتي،الان يجب ان تشفي فضولي ايضاً
تورت  شجن اكثر وهي تحاول التنفس وينشغل خاطرها بالافكار
"لقد تحدث للتو عن اوراق الاستبيان،كيف لاحظ اسمي من بين كل الطلبة؟"
لم يهتم سيف بشرودها بل قاطعها:لماذا بياناتكِ الشخصية مشفرة بالكامل؟
فكرت شجن بسرعة لبرهه وكذبت مجدداً برسمية:في حالة كان احد افراد الشخص او هو شخصيا حياته مهددة من قبل مجرم،تؤول الدولة لأخفاء بياناته او تشفريها سيدي ،اسمي مجرد تشابه عابر بالالقاب
اتكأ سيف على ظهره برتياح بارد:هكذا اذاً،يمكنكِ الانصراف لقاعتكِ 
نهضت شجن بسعادة تظن انها انطلت عليه كذباتها
خرجت بسرعة وتوتر واغلقت الباب وراءها
علق سيف ببرود وابتسامة :تجيد الكذب لكنها..لا تعلم ان لغة جسدها تفضحها

image about مجرد قتيل الفصل الرابع

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
ملاذ المنذري تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

2

متابعهم

0

مقالات مشابة
-