على الجسر الخشبي
في الأطراف القاصية من مدينة صغيرة تطل على البحر، كان هناك جسر خشبي قديم يعبر نهر هادئ يصل بين مكتبة عتيقة ومتحف صغير للساعات والتحف .
كانت سارة تقضي معظم أيامها بين رفوف تلك المكتبة العتيقة. امرأة بروح هادئة، تشبه رائحة الورق القديم والقهوة بالسكر الخفيف. تعشق التفاصيل الرقيقة، وتهرب من صخب العالم إلى بطون الكتب. أما يونس، فكان يعمل في المتحف المقابل؛ شاب ثلاثيني بعينين دافئتين ويدين ساحرتين تعيدان الحياة للأشياء المكسورة. كان يصلح الساعات القديمة، يعيد نبض العقارب المتوقفة، وكأنه يرمم الزمن نفسه.
على مدى عام كامل، كانت نظراتهما تتقاطع كل صباح على ذلك الجسر الخشبي. هي تحمل حقيبتها الجلدية المليئة بالكتب، وهو يحمل معطفه ورائحة الخشب والذهب على يديه. يتبادلان ابتسامة قصيرة ، ابتسامة أصبحت الموعد الأهم في يوم كل منهما، دون أن يتجرأ أحدهما على كسر هذا الصمت الدافئ.
في أحد أيام الخريف، سقطت أمطار غزيرة فجأة دون إنذار. أسرعت سارة تنظف الطاولات القريبة من نافذة المكتبة، حين سمعت جرس الباب يرن . رفعت رأسها لتجد يونس يقف عند العتبة، يمسك بمظلة يقطر منها الماء، ويحمل في يده الأخرى صندوق خشبي صغير.
توقفت حركة سارة لثواني، و ترددت هي ترحب به: "أهلاً بك... كيف يمكنني مساعدتك؟"
ابتسم يونس وهو يقترب بخطوات هادئة، كان صوته عميق يشبه خرير الماء في الليالي الهادئة: "مساء الخير. أبحث عن كتاب نادر في تاريخ الساعات الفلكية، ووصف لي أن المكتبة هنا هي المكان الوحيد الذي قد أجد فيه هذه النسخة."
شعرت سارة بقلبها يخفق بسرعة لم تعدها. أومأت برأسها وأشارت إلى الممرات الخلفية: "أعتقد أنني أعرف أين نجدها، تعال معي."
مشيا بين الرفوف العالية، وكان عطر الخشب والورق يمتزج برائحة المطر الشديد في الخارج. عندما وصلت سارة إلى الرف العلوي، مدت يدها لتحضر الكتاب، لكن طولها لم يسعفها. قبل أن تتحرك لإحضار السلم، كان يونس قد وقف خلفها تمامًا، ومدّ يده الطويلة ليلتقط الكتاب ببراعة. في تلك اللحظة، شعرت بفرط قربه، بدفء أنفاسه يلامس شعرها.
التفتت إليه ببطء، فكانت عينها وعينه على مسافة سم واحد. ساد صمت طويل، صمت لم يكن بحاجة لأي كلمات.
قال يونس بنبرة خافتة: "أنا أعرف هذا الجسر جيدًا، لكنني لم أكن أعلم أن العبور منه يوصل إلى كل هذا الدفء."
احمرت خدود سارة، وأخذت الكتاب من يده متظاهرة الانشغال ب صفحاته: "الجسر يربط بين الأشياء التي تحتاج إلى بعضها فقط."
جلس يونس على إحدى الطاولات الخشبية لتصفح الكتاب، بينما صنعت سارة كوبين من الشاي بالنعناع. جلس كلاهما يتحدثان، ولأول مرة تحولت الابتسامات الصامتة إلى أحاديث ممتدة. تحدثا عن الساعات التي تتوقف فجأة عندما يرحل أصحابها، وعن الكتب التي تنتظر قارئها المناسب لسنوات طويلة. اكتشفا أن كل منهما كان يراقب الآخر منذ أشهر، وأن الجسر لم يكن مجرد طريق بل كان وعدًا معلقًا في الهواء.
ومع مرور الأيام وتلاحق الأسابيع، أصبحت الأمسيات تجمعهم بانتظام. يجلسان على مقعد خشبي مطلي باللون الأبيض أمام البحر بعد انتهاء ساعات العمل. كان يونس يعلمها كيف تصغي لنبض الساعات، بينما كانت سارة تقرأ له نصوص شعرية وأبياتًا عن الحب والزمان.
في إحدى الليالي الدفيئة، أهداها يونس قلادة فضية صغيرة، تحتوي على ساعة جيب متناهية الصغر. عندما فتحتها، وجدت أن عقاربها متوقفة عند الساعة الثامنة والثلث.
سألته بدهشة: "لماذا هي متوقفة عند هذا الوقت تحديدا؟"
أمسك يونس يدها بين يديه الكبيرة الدافئة، ونظر في عينيها بعمق: "هذا هو الوقت الذي دخلت فيه إلى المكتبة في ذلك اليوم الماطر. منذ تلك اللحظة، توقف زمني القديم، وبدأ زمني معكِ."
دمعت عينا سارة، وضغطت على يده بحنان. في تلك الليلة، تحت ضوء القمر الذي انعكس على سطح البحر الهادئ، تعانقت روحها وروحه في عهد صامت بأن يكونا السند والمرجع لبعضهما الباقي من العمر.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق