
من وهو صغير، كان حاسس إن الحياة قررت تختبره في كل حاجة ممكنة.
عيلته كانت مليانة مشاكل، والشغل كان بيستنزف كل طاقته، وحتى الأيام العادية كانت بالنسباله معركة لازم يعدّيها بأي شكل. كبر وهو مش عارف يعني إيه راحة، ولا فاكر آخر مرة ضحك فيها من قلبه إمتى. كان بيصحى كل يوم ويعمل اللي عليه، من غير ما يكون عنده سبب حقيقي يخليه مستني بكرة. بقى شخص عايش بجسمه بس، أما قلبه فكان من زمان ساكت.
وفي يوم عادي جدًا، قابل بنت ماكانش يعرف إنها هتغيّر حياته كلها. في البداية كانت مجرد شخص دخل حياته بالصدفة، لكن مع الوقت بقت الحاجة الوحيدة اللي بتخليه يستنى اليوم الجديد. كان بيتكلم معاها فينسى تعبه، ويضحك معاها وينسى كل اللي حصل له. لأول مرة حس إن في حد شايفه هو، مش المشاكل اللي حواليه. ولأول مرة من سنين، ضحك من قلبه بجد، الضحكة اللي تحس بعدها إنك رجعت طفل صغير ومش شايل هم الدنيا.
هي ماكانتّش مجرد بنت بيحبها، هي كانت بالنسبة له الحياة نفسها. بقت ملجأه لما الدنيا تضيق، وصوته المفضل، والشخص اللي يقدر يحكيله كل حاجة من غير خوف أو خجل. كان فاكر إن ربنا أخيرًا عوّضه عن كل السنين الصعبة اللي عاشها، وإن بعد كل الألم ده لازم يكون في نهاية حلوة. بدأ يحلم، ويخطط، ويتخيل مستقبل بسيط معاها. لأول مرة بقى عنده سبب يخليه يتمسك بالحياة، وكان مقتنع إن مهما كانت الدنيا قاسية، وجودها كفاية عشان يكمل.
لكن الحياة أحيانًا بتاخد مننا الحاجة الوحيدة اللي كانت مخلية لنا معنى. فجأة مرضت البنت، والأيام اللي كان بيقضيها معاها في الضحك اتحولت لأيام مليانة خوف وانتظار. كان بيحاول يطمن نفسه ويقول إنها هتقوم، وإن كل ده مجرد وقت صعب وهيعدي. لكنه كان كل يوم بيشوفها بتبعد عنه أكتر، لحد اليوم اللي سمع فيه الخبر اللي كسر آخر حاجة كانت جواه... هي ماتت. ماتت وهي لسه عندها أحلام، وسابته هو واقف قدام حياة ماعادش عارف يعمل فيها إيه.
بعد موتها، هو ماقدرش يرجع الشخص اللي كان قبل ما يقابلها. الناس كانت بتقوله "انساها"، وكأن النسيان قرار ممكن تاخده في يوم وتصحى تاني يوم طبيعي. لكنه كان بيسمع صوتها في كل مكان، ويفتكر ضحكتها في كل لحظة، وكل حاجة حواليه كانت بتفكره بالإنسانة الوحيدة اللي خلته يحس إنه عايش. حاول يكمل، لكنه كان بيغرق أكتر كل يوم. لحد ما انتهى بيه الحال في مستشفى للأمراض النفسية، قاعد لوحده، بيحكي للدكاترة عن بنت ماتت من زمان، وبيبتسم أحيانًا وهو بيقول لهم إنها هترجع بكرة.
وفي آخر الليل، كان دايمًا بيبص للباب ويستناها تدخل زي زمان. كان عارف في مكان جواه إنها مش هترجع، لكنه كان رافض يصدق، لأن تصديق الحقيقة معناه إنه هيفقد آخر حاجة باقية منها. ويمكن عشان كده فضل عايش في الذكرى بدل ما يعيش في الواقع. يمكن بعض الناس لما تخسر حبها، بتقدر تبدأ من جديد... وبعض الناس بتخسر نفسها معاه.
إحنا معندناش روايات حب بنهاية سعيدة، لأن في حكايات الحب عندنا، الشخص اللي بنحبه مش دايمًا بيكون نصيبنا... وأحيانًا بيكون آخر حاجة جميلة تحصل لنا قبل ما الحياة تكسرنا للأبد.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق