رسالة بعد الغياب

رسالة بعد الغياب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

رسالة بعد الغياب

image about رسالة بعد الغياب

كان المساء هادئًا، والمدينة تستعد للنوم بعد يوم طويل. جلس آدم أمام نافذته يتأمل الشارع الخالي، بينما كانت ذكريات الماضي تمر في عقله كأنها مشاهد من فيلم قديم لم يستطع نسيانه.

مرت خمس سنوات منذ آخر مرة رأى فيها ليان.

في ذلك اليوم، افترقا دون أن يعرف أي منهما أن اللقاء الأخير سيكون طويلًا إلى هذه الدرجة. لم يكن هناك خلاف كبير، ولا كلمة قاسية، وإنما ظروف الحياة التي وضعت بينهما مسافة لم يستطيعا تجاوزها.

في البداية، كان آدم ينتظر عودتها.

كلما رن هاتفه، كان قلبه يسبقه إلى الشاشة، لكنه مع مرور الأيام بدأ يتوقف عن الانتظار. أقنع نفسه أن الحياة يجب أن تستمر، وأن بعض القصص تنتهي حتى لو لم يجد أصحابها نهاية واضحة.

احتفظ برسالة قديمة منها داخل درج مكتبه، ولم يكن يفتحها إلا نادرًا.

كانت تحمل كلمات بسيطة عن الأمل والذكريات، لكنه كان يشعر كل مرة يقرأها أن الزمن يعود به إلى الأيام التي كان فيها كل شيء أسهل.

وفي إحدى الليالي، بينما كان يرتب بعض أوراقه، سمع صوت إشعار من هاتفه.

نظر إلى الشاشة.

توقف للحظة.

كان اسم ليان أمامه.

شعر بارتباك لم يعرفه منذ سنوات. فتح الرسالة بيد مترددة، فوجد كلمات قصيرة:

“لم أنسَ الحكاية… ولم أنسَك.”

ظل ينظر إلى الرسالة طويلًا.

لم يعرف ماذا يكتب. كان لديه ألف سؤال، لكنه لم يجد سؤالًا واحدًا يستطيع إرساله دون أن يكشف كم كان ينتظر هذه اللحظة.

كتب أخيرًا:

“لماذا الآن؟”

مرت دقائق بدت له أطول من السنوات الخمس الماضية.

ثم وصل الرد:

“لأنني احتجت خمس سنوات لأفهم أن بعض الأشخاص لا يغيبون فعلًا، حتى عندما نبتعد عنهم.”

جلس آدم صامتًا.

لم يكن يعرف هل يفرح أم يخاف.

فالعودة بعد الغياب ليست دائمًا سهلة. فالإنسان الذي غاب سنوات لا يعود إلى المكان نفسه، والقلوب أيضًا تتغير مع الوقت.

بدأت الرسائل بينهما تعود تدريجيًا. تحدثا عن حياتهما، عن الأيام التي مرت، وعن الأشياء التي لم يقولاها في الماضي.

اكتشف آدم أن ليان احتفظت بالكثير من الذكريات، وأنها كانت مثله تحاول إقناع نفسها بأن الماضي أصبح مجرد صفحة مغلقة.

وفي إحدى الليالي، قالت له:

“هل تذكر أول مكان التقينا فيه؟”

ابتسم آدم أمام الهاتف.

“كيف أنساه؟”

ثم أرسلت:

“أنا هناك غدًا.”

ظل آدم ينظر إلى الكلمات طويلًا.

في اليوم التالي، ذهب إلى المكان القديم. كان المقهى قد تغير قليلًا، لكن الشجرة الموجودة أمامه بقيت كما هي.

جلس ينتظر.

وبعد دقائق، ظهرت ليان.

لم تكن عودتها تشبه المشاهد التي تخيلها آدم طوال السنوات الماضية. لم يكن هناك موسيقى، ولا كلمات كبيرة، ولا لحظة مثالية.

كانت مجرد نظرة طويلة بين شخصين فرّقتهما السنوات وجمعتهما الذكريات.

قالت ليان بهدوء:

“تغيرنا كثيرًا.”

أجاب آدم:

“لكن بعض الأشياء لم تتغير.”

سألته:

“مثل ماذا؟”

ابتسم وقال:

“أنني عندما رأيت رسالتك، شعرت أن السنوات الخمس لم تكن موجودة.”

ضحكت ليان، لكن عينيها حملتا الكثير من المشاعر.

جلسا لساعات يتحدثان. لم يحاولا استعادة الماضي كما كان، بل قررا أن يتعرفا من جديد، كما لو أن الحياة منحتهما فرصة ثانية.

وفي نهاية اللقاء، قالت ليان:

“كنت أعتقد أن الغياب ينهي كل شيء.”

فأجاب آدم:

“أحيانًا الغياب لا ينهي الحكاية… بل يكشف قيمتها.”

افترقا في ذلك المساء على وعد بلقاء جديد.

عاد آدم إلى منزله، وفتح الدرج الذي احتفظ فيه برسالتها القديمة. قرأها مرة أخرى، ثم وضع بجانبها الرسالة الجديدة.

رسالتان تفصل بينهما خمس سنوات.

لكنهما تحملان المعنى نفسه:

بعض الحكايات قد تصمت طويلًا، لكنها لا تموت.

وأحيانًا، لا تكون الرسالة التي تصل بعد الغياب مجرد كلمات، بل تكون فرصة يمنحها الزمن لقلبين لم يستطيعا نسيان بعضهما.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
mohamed elsayed تقييم 5 من 5.
المقالات

37

متابعهم

39

متابعهم

40

مقالات مشابة
-