رقصوا حتى الموت.. لغز الوباء الذي حيّر مدينة كاملة عام 1518!
وباء الرقص الغامض.. عندما رقص مئات الأشخاص حتى انهاروا!
تخيل أنك تمشي في أحد شوارع أوروبا في القرن السادس عشر، فتجد امرأة تقف وحدها وترقص بطريقة غريبة دون موسيقى. تحاول التوقف لكنها تستمر، ثم بعد أيام يبدأ عشرات الأشخاص في تقليدها، وبعدها يتحول الأمر إلى ظاهرة تنتشر في المدينة بأكملها. الغريب أن هؤلاء الأشخاص لم يكونوا يحتفلون، ولم يكن هناك مهرجان أو احتفال ديني معروف يفسر ما يحدث. كانوا يقولون، بحسب الروايات التاريخية، إنهم عاجزون عن السيطرة على أجسادهم. هذه هي قصة وباء الرقص في ستراسبورغ عام 1518، واحدة من أغرب الوقائع التي سجلها التاريخ الأوروبي.

بدأت القصة في صيف عام 1518، عندما خرجت امرأة تُعرف في السجلات باسم فراو تروفيا إلى أحد شوارع ستراسبورغ وبدأت في الرقص بشكل متواصل. لم تتوقف بعد دقائق أو ساعات، بل استمرت لأيام تقريبًا. وبعد فترة قصيرة بدأ أشخاص آخرون في الانضمام إليها، وكأن شيئًا غامضًا ينتقل بينهم. ومع مرور الأسابيع، ارتفع عدد المشاركين بشكل كبير، وتشير بعض المصادر إلى أن الظاهرة أصابت في ذروتها مئات الأشخاص، وربما اقترب العدد من 400 شخص.
لكن الجزء الأكثر غرابة لم يكن في عدد الراقصين، بل في رد فعل المسؤولين. فبدلًا من محاولة إيقافهم، اعتقد بعض الأطباء والسلطات في ذلك الوقت أن الحل هو السماح لهم بالاستمرار حتى "يخرج المرض من أجسادهم". لذلك تم توفير أماكن للرقص، واستُعين براقصين محترفين، بل وعازفين للموسيقى. كان الاعتقاد أن ممارسة الرقص بصورة مستمرة ستساعد المصابين على التخلص من الحالة الغريبة. لكن النتيجة كانت عكسية؛ فقد ازداد الأمر سوءًا، وسقط بعض المشاركين من شدة الإرهاق.
ومع استمرار الظاهرة، بدأت القصة تتحول من مشهد غريب إلى مأساة حقيقية. بعض الراقصين انهاروا بسبب التعب الشديد، وتذكر الروايات التاريخية أن عددًا منهم ربما مات نتيجة الإجهاد أو السكتات الدماغية أو الأزمات القلبية. ومع انتشار الخوف، ظهرت تفسيرات دينية وخرافية عديدة؛ فقد كان بعض سكان أوروبا في ذلك العصر يؤمنون بأن القديس فيتوس يمكن أن يصيب الناس بـ"لعنة الرقص". وفي مدينة تعاني أصلًا من المرض والجوع والضغط النفسي، ربما ساعدت هذه المعتقدات على انتشار حالة الذعر الجماعي.
لكن ماذا حدث فعلًا؟ هنا يبدأ الجزء الذي جعل القصة لغزًا تاريخيًا حتى يومنا هذا. إحدى النظريات الحديثة ترى أن السكان كانوا يعيشون تحت ضغط شديد بسبب المجاعة والأمراض والخوف، وأن مجموعة من الأشخاص دخلت في حالة نفسية جماعية جعلتهم يفقدون السيطرة على سلوكهم. وهناك نظرية أخرى افترضت أن بعضهم تناول الحبوب الملوثة بفطر سام يُعرف باسم الإرغوت، وهو فطر يمكن أن يسبب تشنجات واضطرابات وهلوسة. إلا أن هذه الفكرة لا تفسر كل تفاصيل الواقعة، ولذلك لم تصبح إجابة نهائية.
وفي النهاية، اختفت الظاهرة بعد أسابيع من الفوضى، لكن السؤال بقي: ما الذي جعل مئات الأشخاص يرقصون رغم الإرهاق والألم، ولماذا انتقلت الحالة من شخص إلى آخر؟ لا يوجد تفسير واحد اتفق عليه المؤرخون والعلماء حتى الآن. وربما لهذا السبب تحديدًا ظلت قصة ستراسبورغ واحدة من أكثر الحوادث الغريبة إثارة في التاريخ؛ فهي واقعة موثقة، لكنها تبدو للوهلة الأولى وكأنها مشهد من فيلم رعب. والأغرب من كل شيء أن ما حدث في عام 1518 لم يكن حادثًا منفردًا، فقد ظهرت حالات مشابهة من "هوس الرقص" في مناطق أوروبية أخرى خلال فترات مختلفة.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق