وباء الرقص عام 1518.. القصة الحقيقية لليلة التي رقص فيها مئات الأشخاص بلا توقف
#وباء الرقص عام 1518.. القصة الحقيقية لليلة التي رقص فيها مئات الأشخاص بلا توقف
تخيل أن تخرج إلى أحد شوارع مدينة أوروبية في صيف عام 1518، فتجد امرأة ترقص بمفردها.
لا موسيقى احتفالية، ولا مناسبة في المدينة، ولا سبب واضح يجعلها تتحرك بهذه الطريقة.
الأغرب أنها لا تتوقف.
تمر الساعات، ثم الأيام، ويبدأ أشخاص آخرون في القيام بحركات مشابهة، حتى تتحول واقعة غريبة في شوارع مدينة ستراسبورغ إلى واحدة من أغرب الظواهر المسجلة في التاريخ الأوروبي.
لم يكن الأمر مهرجانًا أو احتفالًا شعبيًا عاديًا. فقد وصفت السجلات التاريخية أشخاصًا يتحركون بصورة قهرية ويواصلون الرقص لفترات طويلة، بينما كانت المدينة تحاول فهم ما يحدث.
وعُرفت هذه الحادثة فيما بعد باسم وباء الرقص عام 1518، أو "هوس الرقص" (Dancing Mania).
كيف بدأت قصة وباء الرقص عام 1518؟
وقعت الأحداث في ستراسبورغ، التي كانت في ذلك الوقت ضمن الإمبراطورية الرومانية المقدسة، بينما تقع المدينة اليوم في فرنسا.
بدأت الظاهرة في منتصف يوليو عام 1518، عندما ظهرت امرأة في شوارع المدينة وبدأت في الرقص بصورة غير معتادة. وتذكر روايات تاريخية لاحقة اسمها "فراو تروفيا" (Frau Troffea)، لكن اسمها وتفاصيل البداية ليستا مثبتتين بالطريقة نفسها في جميع المصادر المعاصرة.
وتشير دراسة المؤرخ جون والر إلى أن امرأة واحدة بدأت الرقص، ثم انضم إليها خلال أيام عدد من الأشخاص الآخرين، حتى وصل العدد إلى 34 شخصًا خلال فترة قصيرة.
وهنا تحولت الواقعة من تصرف فردي غريب إلى ظاهرة أثارت قلق سكان المدينة وسلطاتها.

عندما انتشر الرقص في شوارع ستراسبورغ
مع مرور الأسابيع، ازداد عدد الأشخاص الذين قيل إنهم تأثروا بالظاهرة.
بعض السجلات والكرونيكات اللاحقة تذكر أن العدد وصل إلى أكثر من 400 شخص، بينما تختلف المصادر التاريخية في تقدير العدد النهائي.
وتوضح دراسة منشورة في مجلة Dance Research أن عددًا من الروايات التاريخية يذكر وصول العدد إلى أكثر من 400 خلال أسابيع، بينما تقدم مصادر أخرى أرقامًا أقل. ولذلك من الأدق التعامل مع رقم 400 باعتباره تقديرًا ورد في بعض المصادر التاريخية، وليس إحصاءً مؤكدًا بالمعايير الحديثة.
وكانت الحركات الموصوفة مختلفة عن الرقص الاحتفالي المعتاد؛ فقد تضمنت القفز والحركة المتكررة والإرهاق الشديد.
واللافت أن السلطات لم تفهم في البداية سبب ما يحدث، ولذلك لجأت إلى أفكار تنتمي إلى الطب والمعتقدات السائدة في القرن السادس عشر.

لماذا سمحت السلطات باستمرار الرقص في البداية؟
قد يبدو الأمر غريبًا اليوم، لكن السلطات في ذلك الوقت لم تكن تعرف أن إيقاف النشاط قد يكون أفضل حل.
تشير المصادر التاريخية إلى أن المسؤولين اعتقدوا في مرحلة من الأزمة أن المصابين بحاجة إلى الاستمرار في الحركة حتى "يخرج" ما اعتُبر سببًا للمرض.
ولهذا جرى توفير أماكن للرقص، واستُخدم الموسيقيون في محاولة لمساعدة المصابين على التخلص من الحالة.
لكن عندما استمرت الظاهرة في الانتشار، تغير موقف السلطات.
وتشير دراسة أكاديمية اعتمدت على روايات تاريخية ووثائق مرتبطة بأرشيف المدينة إلى أن السلطات حظرت إقامة الرقصات العامة، ثم أرسلت بعض المصابين إلى موقع مرتبط بالقديس فيتوس طلبًا للشفاء.
وهكذا انتقلت المدينة من محاولة التعامل مع الرقص باعتباره جزءًا من العلاج إلى محاولة إيقافه.
هل مات الناس فعلًا بسبب الرقص؟
هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
تذكر بعض المصادر التاريخية اللاحقة أن عددًا من الأشخاص ماتوا بسبب الإرهاق الشديد، ويشير المؤرخ جون والر إلى روايات تحدثت عن وفيات مرتبطة بالظاهرة.
لكن المشكلة أن عدد الوفيات غير مؤكد.
فالمصادر المعاصرة للحدث لا تقدم رقمًا موثوقًا يمكننا اعتماده اليوم، كما أن بعض الروايات التي تتحدث عن أعداد كبيرة من الوفيات جاءت من مصادر لاحقة.
لذلك لا يصح تقديم عبارة مثل "مات 15 شخصًا يوميًا" باعتبارها حقيقة تاريخية مؤكدة.
والصياغة الأكثر دقة هي أن بعض الروايات التاريخية تحدثت عن وفيات، لكن حجم الوفيات وسببها المباشر لا يمكن تحديدهما بثقة من الأدلة المتاحة اليوم.
هل كان السبب هو التسمم بفطر الإرغوت؟
واحدة من أشهر النظريات التي ظهرت لتفسير وباء الرقص تقول إن السكان ربما تناولوا حبوبًا ملوثة بفطر يسمى الإرغوت (Ergot)، وهو فطر يمكن أن يصيب الحبوب، ومنها الجاودار.
وتكمن أهمية هذه النظرية في أن السموم الناتجة عن بعض أنواع الإرغوت يمكن أن تؤثر في الجهاز العصبي والدورة الدموية.
وتوضح مراجع صحية تابعة للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن تسمم الإرغوت يمكن أن يسبب أعراضًا عصبية وتشنجات وهلوسة، كما يمكن أن يؤدي في بعض الحالات إلى مشاكل شديدة في الأطراف نتيجة تأثيره على الأوعية الدموية.
لكن هذا لا يعني أن الإرغوت كان سبب وباء الرقص عام 1518.
فالمؤرخ جون والر ناقش هذه النظرية واعتبرها غير كافية لتفسير الصورة التاريخية الكاملة للحدث، خصوصًا أن أعراض التسمم بالإرغوت لا تتطابق بصورة واضحة مع ظاهرة الرقص الجماعي الموصوفة في المصادر.
لذلك يظل الإرغوت نظرية تاريخية محتملة، وليس تشخيصًا أو حقيقة مثبتة.
ماذا نعرف عن الاضطراب الحركي الجماعي؟
توجد نظرية أخرى أكثر ارتباطًا بالتفسيرات الحديثة، وهي أن ما حدث ربما كان مثالًا مبكرًا على ما يسمى اليوم المرض النفسي الجماعي أو المرض الاجتماعي المنشأ (Mass Psychogenic Illness).
ويشير المصطلح إلى حالات تظهر فيها أعراض حقيقية لدى مجموعة من الأشخاص، من دون العثور على سبب عضوي أو بيئي يفسرها، وغالبًا ما ترتبط بضغط نفسي شديد وانتشار الاعتقاد بوجود تهديد أو مرض داخل المجموعة.
وتشير المراجعات الطبية إلى أن مثل هذه الظواهر قد تنتشر من خلال التفاعل الاجتماعي، ورؤية شخص يعاني من الأعراض، والخوف المشترك، والضغط النفسي داخل المجموعة.
لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة:
لا يمكن تشخيص سكان ستراسبورغ عام 1518 طبيًا بأثر رجعي على أنهم كانوا يعانون بالتأكيد من هذا الاضطراب.
فالمصطلحات والتشخيصات الطبية الحديثة لم تكن موجودة في ذلك الوقت، ولا نملك فحوصًا طبية أو سجلات سريرية حديثة لهؤلاء الأشخاص.
ولهذا يستخدم الباحثون هذه الفكرة باعتبارها تفسيرًا محتملًا للحدث التاريخي، وليس تشخيصًا مؤكدًا.
لماذا كانت ستراسبورغ بيئة مناسبة لانتشار ظاهرة غريبة؟
لفهم التفسيرات الحديثة، يجب النظر إلى الظروف التي عاش فيها سكان المدينة.
كانت أوروبا في ذلك العصر تمر بفترات متكررة من الفقر والأمراض ونقص الغذاء والاضطرابات الاجتماعية.
ويرى جون والر أن الضغط النفسي والاجتماعي، إلى جانب المعتقدات الدينية المنتشرة في ذلك الوقت، يمكن أن يساعد في تفسير لماذا ظهرت ظاهرة الرقص الجماعي في تلك البيئة تحديدًا.
وكان الاعتقاد الديني عنصرًا مهمًا أيضًا.
ففي أوروبا في ذلك الوقت، ارتبطت ظواهر الرقص الغريبة بالقديس فيتوس، ولذلك أصبح اللجوء إلى الأماكن المقدسة والطقوس الدينية جزءًا من محاولة علاج المصابين.
وهذا يعكس طريقة فهم الناس للمرض في القرن السادس عشر، وليس دليلًا على أن سبب الظاهرة كان دينيًا أو خارقًا للطبيعة.
هل حدثت ظواهر مشابهة قبل عام 1518؟
نعم.
حادثة ستراسبورغ لم تكن أول ظاهرة من نوعها في أوروبا.
توجد روايات تاريخية عن حالات مشابهة في مناطق مختلفة من أوروبا خلال القرون السابقة، ومن أشهرها موجة حدثت عام 1374 في مناطق على طول نهر الراين.
ويشير الباحثون إلى أن ظواهر "هوس الرقص" ظهرت في أوروبا في فترات مختلفة، ولذلك لا يمكن اعتبار حادثة ستراسبورغ ظاهرة منفصلة تمامًا عن السياق الثقافي والاجتماعي الذي سبقها.
لكن حادثة عام 1518 تظل من أشهر الحالات، ويرجع ذلك جزئيًا إلى وجود عدد كبير نسبيًا من الروايات والوثائق التي سمحت للمؤرخين بمحاولة إعادة بناء ما حدث.
كيف انتهى وباء الرقص؟
بحلول سبتمبر 1518، بدأت الظاهرة في التراجع.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن السلطات اتخذت إجراءات أكثر صرامة، بما في ذلك منع الرقصات العامة، كما ارتبطت نهاية الأزمة برحلات بعض المصابين إلى موقع ديني مخصص للقديس فيتوس.
لكن لا توجد أدلة تسمح لنا بالقول إن طقسًا دينيًا معينًا "عالج" المرض بالمعنى الطبي الحديث.
ربما ساعد تغير الظروف الاجتماعية والنفسية، أو عزل المصابين عن بقية المجموعة، أو انتهاء موجة الخوف، أو عوامل أخرى لا نعرفها اليوم.
وهنا تنتهي القصة من دون أن تنتهي حيرتها.
ما الحقيقة التي نعرفها بعد أكثر من 500 عام؟
نعرف أن حادثة غريبة وقعت بالفعل في ستراسبورغ عام 1518.
ونعرف من المصادر التاريخية أن أشخاصًا بدأوا في الرقص بصورة قهرية، وأن الظاهرة انتشرت إلى عدد أكبر من الأشخاص، وأن السلطات تدخلت وحاولت التعامل معها بوسائل تتناسب مع فهم ذلك العصر للمرض والدين.
لكننا لا نعرف السبب النهائي.
هل كان هناك عامل بيئي أو غذائي؟
هل لعب الإرغوت دورًا؟
هل كانت الضغوط النفسية والاجتماعية والمعتقدات الدينية هي العامل الأهم؟
أم أن عدة عوامل اجتمعت معًا؟
لا توجد إجابة علمية نهائية حتى اليوم.
والأهم أن أي تفسير طبي حديث لهذه الحادثة يجب أن يبقى تفسيرًا تاريخيًا احتماليًا، لأننا لا نملك بيانات سريرية كافية تسمح بتشخيص الأشخاص الذين عاشوا في ستراسبورغ عام 1518 وفق المعايير الطبية الحالية.
وهذا ربما يكون أكثر ما يجعل القصة غريبة.
فبعد مرور أكثر من خمسة قرون، اختفت الرقصة من شوارع ستراسبورغ…
لكن السؤال الذي بدأ معها ما زال قائمًا: لماذا بدأ هؤلاء الأشخاص في الرقص أصلًا؟
ملاحظة مهمة حول المعلومات الطبية
المعلومات الطبية الواردة في هذا المقال **تثقيفية وعامة فقط**، وتشرح نظريات استخدمها الباحثون في محاولة لفهم حدث تاريخي قديم.
ذكر تسمم الإرغوت أو المرض النفسي الجماعي لا يعني أن أحدًا من المشاركين في حادثة عام 1518 تم تشخيصه بهذه الحالات وفق المعايير الطبية الحديثة، ولا يمكن استخدام هذه المعلومات لتشخيص أي حالة صحية معاصرة.
كما أن الأعراض والتشخيص والعلاج تختلف من حالة إلى أخرى، وأي أعراض حركية أو عصبية في الوقت الحاضر تحتاج إلى تقييم طبي متخصص بدل مقارنتها مباشرة بحادثة تاريخية عمرها أكثر من 500 عام.
المصادر والمراجع
**1. John C. Waller – "In a spin: the mysterious dancing epidemic of 1518"**
دراسة تاريخية منشورة في مجلة *Endeavour* عام 2008، وتناقش تفاصيل الوباء والنظريات المختلفة حول أسبابه.
**2. John C. Waller – "A forgotten plague: making sense of dancing mania"**
مقال تاريخي منشور في مجلة *The Lancet* عام 2009، ويتناول ظاهرة هوس الرقص وتفسيراتها.
**3. Sarah J. A. et al. – "Divine Punishment or Disease? Medieval and Early Modern Approaches to the 1518 Strasbourg Dancing Plague"**
دراسة منشورة في *Dance Research*، وتناقش الروايات التاريخية والوثائق المرتبطة بالحدث، بما فيها أعداد المشاركين وتدخل سلطات المدينة.
**4. Centers for Disease Control and Prevention (CDC) – Ergotism**
مرجع صحي يوضح طبيعة تسمم الإرغوت والأعراض التي يمكن أن تنتج عنه.
**5. T. F. Jones – "Mass psychogenic illness: role of the individual physician"**
مراجعة طبية منشورة في *American Family Physician* وتشرح مفهوم المرض النفسي الجماعي وخصائصه العامة.
**6. Mass sociogenic illness – National Library of Medicine / PMC**
مراجعة طبية تشرح الظاهرة وكيف يمكن أن تنتشر الأعراض داخل مجموعات تتعرض لضغط أو خوف مشترك.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق